فهرس الكتاب

الصفحة 864 من 979

بمختلف أشكاله سواء كان (من قبل الإخلال بهذه السنن وإما من قبل سوء المعتقد في الشريعة) وكذا في الأبعاد الاقتصادية كتحقيق العدالة الاجتماعية، انطلاقا من المبدأ المثالي من (باب الاشتراك في الأموال) وكأنه يشير إلى قوله تعالى: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ (( الحديد: 7) وقوله تعالى: (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) (النساء 4) فالمال مال الله والجماعة مستخلفة فيه والفرد نائب عن الجماعة في التصرف فيه بمقتضيات المصلحة وإلا استحق المفرط في ذلك الحجر.

واعتبر نصف القضية كلها: الجوانب الأخلاقية التي سماها"الفضائل النفسانية"بحيث اعتبرها مقاصد للأحكام وعموم الفقه، والمتمثلة في"فضيلة العفة"والزهد المانع من التكالب والظلم وأخذ ما ليس بحق، ثم الرقي من مجرد كف الأذى إلى"فضيلة العدل"وحب بسطه في حياة الأفراد والجماعة والقيام بالواجب في كل مجال، ثم الترقي منه إلى الإحسان و"فضيلة السخاء"في البذل والتضحية و"فضيلة الشجاعة"في المواقف ومواجهة الانحراف والباطل بداية من النفس والأسرة والمجتمع والعالم أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر وجهادا في سبيل الله.

ولا يفلح المرء في شيء من ذلك كله بغير"فضيلة العبادة"والتي تبدأ بأداء حق الله على عباده، ولما لم يكن الله في حاجة إلى شيء من ذلك، تعود بركة ذلك على العابد، بحياة سعيدة طيبة ووقودا وزادا لفضائل العفة والعدل والسخاء والشجاعة، وفي الآخرة رضوان أكبر وجنة نعيم.

والذي يفهم من كلام ابن رشد تنبيهه لما يمكن أن يقع في تطبيق الشريعة من التزام رسومها وظواهر أحكامها وتضييع لمقاصدها ومكارم الأخلاق فيها. فجعل المسألة الأخلاقية في المرتبة الأولى وباقي المقاصد بما فيها العبادة خادمة لها، وهنا جوهر الخلاف مع من قبله من العلماء [1] ، بحيث يظهر من ترتيبهم وخصوصا عند الغزالي أن الدائرة الأخلاقية تقع في مجال التحسينات بعد الضرورات والحاجات [2] ، مسترشدا في ذلك بمقصد بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - والتي أجملها في قوله"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" [3] . مع الإشارة إلى وجود فرق جوهري بين مضمون

(1) فهي عند الجويني غير منضبطة لا يصلح أن تكون أصلا في الأقيسة كالحال في الضروريات والحاجيات يقول:

(وأنا أذكر مسلكا أصوليا يغنى عن جميع ذلك فأقول وقد مهدت أن القوانين المبنية على المكارم الكلية لا يجرى فيها تمهيد أصل قياسا على أصل وإنما الأقيسة في الأصول إذا لاحت المعانى وإنما تظهر المعانى في الضرورات والحاجات( ... ) والذى نختتم به الكلام أن أصلين مستندهما المحاسن والمكارم لا تشبه فروع أحدهما فروع الثاني من جهة تعلق كل واحد بأمر غيبي لا يضبطه الفكر إذ لا يجري كل مقصود في الغيب على قضية واحدة فإذا لاح ذلك وتجدد العهد به فالبيع من الضروريات فكيف ينقدح تشبيه فاسده بفاسد قسم لا ضرورة فيه ولا حاجة وهذا قاطع للشبه بالكلية فإذا انقطع الشبه ولم يلح معنى لم يرتبط الأصل بالفرع) البرهان: 2 ص: 622

(2) الأصل الفلسفي لهذا القلب عند ابن رشد في قوله في"الضروري في السياسة": (وما كان وجوده على الأفضل فهو أفضل مما وجوده من أجل الضرورة) ويمثل لذلك بالجانب النطري عند الإنسان (فقد قيل في شأنه في العلم الطبيعي إن وجوده بالنسبة للإنسان لم يكن على الضرورة بل من أجل الأفضل) ص: 149

(3) جاء في"التمهيد"لابن عبد البر: (قال أحمد بن حنبل سمعت المعافي بن عمران يقول سمعت سفيان الثوري يقول سمعت منصورا يقول سمعت إبراهيم يقول وذكر عنده البخل فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ج: 16 ص: 254 وخرج السيوطي عن أبي هريرة، وصححه الألباني انظر حديث رقم: 2329 في صحيح الجامع، وورد أيضا بلفظ (بعثت لأتمم صالح الأخلاق) تخريج السيوطي عن أبي هريرة بلفظ"صالح الأخلاق"وصححه الألباني: انظر حديث رقم 2833 في الصحيح الجامع. وورد في"الصحيحة للألباني": (إنما بعثت لأتمم مكارم(وفي رواية: صالح) الأخلاق) رفم الحديث: 45

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت