فهرس الكتاب

الصفحة 863 من 979

الموجودات على ما هي عليه وبخاصة الشريفة منها ومعرفة السعادة الأخروية والشقاء الأخروي. والعمل الحق هو امتثال الأفعال التي تفيد السعادة وتجنب الأفعال التي تفيد الشقاء. والمعرفة بهذه الأفعال هي التي تسمى العلم العملي. ) فالعلم الحق هو العقيدة والعلم العملي هو الشريعة وهي عنده تحتوي على الأحكام وعلى الأخلاق، يقول: (وهذه تنقسم قسمين: احدهما أفعال ظاهرة بدنية والعلم بهذه هو الذي يسمى الفقه والقسم الثاني أفعال نفسانية مثل الشكر والصبر وغير ذلك من الأخلاق التي دعا إليها الشرع أو نهى عنها. والعلم بهذه هو الذي يسمى الزهد وعلوم الآخرة. ) [1]

وأعتبر أن الخاتمة التي أنهى بها كتاب"بداية المجتهد ونهاية المقتصد"رغم ما يبدو من اقتضابها أو حتى من عدم اكتمالها [2] ، وشيء من غرابتها عن المتن الفقهي للكتاب [3] ، تفصل بوضوح مقصوده من"الفضيلة الكاملة"فبشيء من الترتيب لكلامه، وفك إشاراته يمكن الوقوف على البعد الشمولي في نظرة ابن رشد المقاصدية [4] ، فهو يتحدث عنها في إطار ما يهم الفرد والمجتمع ومختلف مؤسساته. وكأنه يتدارك النقص الحاصل في التطبيق الفقهي.

كما مارسه في"البداية"جريا على عادة الفقهاء والذي يكاد يغيب فيه الحديث عن مؤسسات المجتمع باستثناء حالات معدودة كالماوردي وأضرابه. فنجد كلاما عن السنن الكرامية والتي لا تعني في الأغلب الأعم غير كرامة الإنسان مصداقا لقوله تعالى: (وكرمنا بني آدم) بما منحه من حرية وما حمله من مسؤولية الخلافة والعمارة والعبادة وما هيأ له من قابلية للتعلم وجعل له السمع والبصر والفؤاد وسخر له الكون وجعله فيه سيدا.

كما تحدث عن السنن الاجتماعية من ترابط ومحبة وتعاون وتكافل اجتماعي وما يدخل في الجوانب السياسية (المعبر عنها بالرياسة) أو (سنن الأئمة والقوام بالدين) من تنظيم أمر الجهاد والعدل وإقامة الحدود وإشاعة الأمن ومقاومة الانحراف

(1) المرجع السابق: ص: 31

(2) يظهر ذلك من قوله: (وهذا الجنس من الأحكام هو مثل رد السلام وتشميت العاطس وغير ذلك مما يذكره الفقهاء في أواخر كتبهم التى يعرفونها بالجوامع ونحن فقد رأينا أن نذكر أيضا من هذا الجنس المشهور منه إن شاء الله تعالى وأما ما ينبغي قبل هذا أن تعلم أن السنن المشروعة العملية المقصود منها هو الفضائل النفسانية) بداية المجتهد ج: 2 ص: 355 ثم فصل قليلا في الفضائل ولم يذكر شيئا من"الجوامع"كما هو الشأن في الموطأ وشرحه"الاستذكار"

والذي اعتمده كثيرا. وكأنه أراد التنبيه إلى الفضائل ذات البعد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي اكثر من مندوبات الأفراد المعروفة من سلام وتشميت العاطس وغيرها

(3) فهي أقرب من خطابه الفلسفي، وحديثه في"الحكمة"، فهذه الخاتمة من جهة تبين وحدة الحقيقة عند ابن رشد والتي قد تتنوع إليها المسالك سواء من جهة الحكمة او الشريعة، فهما صاحبتين وأختين في الرضاعة حسب تعبيره. ومن جهة اخرى ولأمر ما يلاحظ فيها شيء من الارتباك والتقديم والتأخير.

(4) لا يشعر ابن رشد بفرق ذي بال بين مقاصد الدين والفلسفة جريا على عادته في السعي للتوفيق بينهما يقول في الضروري في السياسة: (فإذا ما تأملت الشرائع، تجدها تنقسم إلى معرفة مجردة فقط، مثل ما تأمر به شريعتنا لمعرفة الله تعالى، وإلى معرفة عملية، مثل ما تحض عليه من الأخلاق، وقصدها من هذا هو عين ما تقصده الفلسفة جنسا ومقصدا) الضروري في السياسة. ص: 144 نقله عن العبرية إلى العربية د أحمد شحلان- مركز دراسات الوحدة العربية-بيروت-ط-1 - 1998

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت