فهرس الكتاب

الصفحة 861 من 979

فتحديد الهدف يحدد مسار العلم والعمل، ويجعله في الاتجاه الصحيح الذي يفضي في آخر الأمر إلى بلوغ الغاية، ويحقق المرام، ويقلل المتاعب، ومعه يكون تقدير العمل. وربما في لغتنا اليوم اعتماد التخطيط له، والاعتناء بالجودة.

وتنظيم الأعمال. ومكافحة المعوقات والقصد في السير وتقليل المسافة. وتبني أسلوب التقويم الدائم انطلاقا من إمكانية تقسيم الهدف الكبير إلى أهداف أصغر منه يشد بعضها ببعض ويبلغ بعضها إلى بعض، ويطبع العمل في غالبه بالجد ولذة الإنجاز بل ويهون عليه ما يجد في الطريق إذا كانت مقاصده كبيرة وأهدافه عظيمة أي) من عرف ما قصد هان عليه ما وجد)، ويسهل معه تحديد الأولويات وتحقيق التوازن. وبدون ذلك يكاد يضيع كل ما سبق ومعه يضيع الجهد والوقت وكثير من المصالح في الدنيا والآخرة.

فكما يقول أحد المعاصرين:"فتحديد أهدافك وشعورك بأنك تنجزها واحداً بعد الآخر يحفزك على المزيد من الإنجاز والعمل والتخطيط، كما يعزز ثقتك بنفسك ويغمرك بمشاعر الإنجاز والنجاح. وقد أشارت الدراسات النفسية إلى أن شعور الإنسان بأنه يسير اتجاه هدفه أو أنه قريب منه يشحنه بروح قوية من الحماس والنشاط ويجعله يتذوق طعم النجاح وينتقل من نجاح إلى آخر" [1]

ولا شك أن الأمر في الشرع أعظم بحيث يؤدي - كما سبق أن رأينا مع الترمذي الحكيم- إلى وضوح في الرؤية وسير على بصيرة. وثبات على المبدأ وقوة التمسك به وحماسة ونشاط فيه والدعوة إليه. ومعه البذل والتضحية من أجله. وازدياد شكر المنعم بقدر فهم مقصوده. ويمكن أن نقسم فوائد معرفة المقاصد إلى ما يرجع منها على أهل الاجتهاد وما يرجع على أهل التنزيل في الأحكام وغيرها وعلى المكلفين.

فبخصوص أهل الاجتهاد تعتبر المقاصد سبيلا لهم وغاية وشرطا في الاجتهاد،

يقول ابن الجوزي رحمه الله:"والفقيه من نظر في الأسباب والنتائج وتأمل المقاصد" [2]

ويقول الشاطبي: (إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين أحدهما فهم مقاصد الشريعة على كمالها والثاني التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها) [3]

ويرى ابن عاشور أن الممسك بعلم المقاصد يستطيع إدراج الحوادث التي لم يسبق حلولها في زمن الشارع ولا لها نظائر ذات أحكام مباشرة وصريحة منه، تحت تلك الصور الكلية ويثبت لها أمثال ما ثبت لكلياتها و"ونطمئن بأننا في ذلك مثبتون أحكاماً شرعية إسلامية" [4] .

فالمقاصد تفيد المجتهدين في فهم النصوص وتفسيرها، وتحررهم من عجائب أهل الظاهر ومنزلقات السطح، وغرائب أهل التقول والباطن المزعوم. كما تكون هاديا لهم في النوازل حيث لا نص، ولا إمكانية القياس على نص مباشر. وتعينهم على تكييف الأحكام مع مقاصدها، إذ أن معرفة علل الأحكام ومقاصدها يكون من ثمرتها (اعتبار تلك العلل والمقاصد عند إجراء الأحكام وتنزيلها وعند تحديد الوجوه والفروع التي تشملها أو لا تشملها( ... ) وهي إحدى ثمرات المنحى المقاصدي والنظر المقاصدي في الفقه) [5]

وتفيد المقاصد أهل التنزيل من الحكام والقضاة ومن في حكمهم، بحيث تسدد عملهم وتساعدهم على حسن التطبيق وسلامته، وترشد إلى سلم الأولويات في المصالح والمفاسد، وتفيد في التوازن المطلوب، وتعينهم على معرفة الثوابت والكليات والتمييز بينها وبين الوسائل والمتغيرات، فتثمر ثباتا في الأولى ومرونة في الثانية. فالعدل مقصد ثابت ووسائله فيها مرونة، والشورى مقصد ثابت ولا حرج في استيراد وسائلها إن كان لدينا فقر في ذلك. فالمقاصد تفيد في اختيار أنسب الوسائل لتحقيق مقصود الشرع، والوقوف فيها على الواجب منها والمندوب والمباح، ثم إن معرفة مقاصد المكلفين فيما يظهر منها مخالفا للشرع يفيد في سد الذرائع على المقاصد الفاسدة. (فمتى ظهر القصد وثبت فعليه المعول) [6]

وتفيد المقاصد المكلفين في تحرير مقاصدهم ومجاهدة أنفسهم للخروج من دواعي الأهواء الفاسدة نحو المقاصد الشرعية النبيلة، وتعلمهم أن ما يظهر من صلاح حتى في أرقى صوره: كالقارئ المرتل المجود والمنفق السخي الكريم والمجاهد المقاتل، لا يغني شيء من ذلك عند الله إذا خلا من القصد إلى رضوانه وابتغاء جنته وقد يكون أولئك من أول من تسعر بهم النار. فالشرع (يطالب الناس أن يكون قصدهم متمشيا مع قصده، قبل أن تكون أعمالهم موافقة لأمره ونهيه) [7]

فمعرفة المقاصد تؤدي بالمكلفين في الأغلب الأعم إلى (سهولة الانقياد وسرعة القبول) [8] لأن معرفة المقاصد الخيرة والوقوف على ما يرضي الله - عز وجل - ويدخل جنته ويعلي شأن الإسلام ويرفع أهله ويكسب السعادة والحياة الطيبة ويبرز حكمة التشريع.، كل ذلك من شأنه إعلاء الهمم وتذكية الحماس وتنشيط الأعمال وإخراج مكنون التضحية والفداء ويحفز على الصبر ومواجهة المعوقات.

ويعم خير فوائد تعلم المقاصد الشرعية وإعمالها مختلف المجالات في حياة المسلمين [9] ، إنها تحدد أهداف ومقاصد التنشئة الاجتماعية والتربوية للأجيال

(1) العادات العشر للشخصية الناجحة، د. إبراهيم بن حمد القعيد، دار المعرفة للتنمية البشرية، الطبعة الأولى 1422هـ، الرياض ـ السعودية، ص210.

(2) ابن الجوزي: تلبيس إبليس، ص 222.

(3) الموافقات ج: 4 ص: 105 - 106

(4) مقاصد الشريعةص: 225

(5) أحمد الريسوني:"المنحى المقاصدي في فقه ابن رشد"ص: 9

(6) أحمد الريسوني (الفكر المقاصدي قواعده وفوائده) ص: 113 - 114

(7) نفس المرجع السابق: ص: 112

(8) الإحكام للآمدي: ج: 4 ص: 272

(9) فهذا ابن خلدون مثلا يصطحب معه النظرة المقاصدية في كتابة التاريخ وينتقد من يؤرخ بعيدا عن اعتبار المقاصد، فهو يشير في مقدمته في عدد من المواضع إلى هذه المعاني من مثل قوله: (وما لهم قبحهم الله والعدول عن مقاصد الشريعة فلا تعارض فيها بين المقطوع والمظنون( ... ) ومن هذا الباب أيضاً ما يسلكه المؤرخون عند ذكر الدول ونسق ملوكها فيذكرون اسمه ونسبه وأباه وأمه ونساءه ولقبه وخاتمه وقاضيه وحاجبه ووزيره كل ذلك تقليد لمؤرخي الدولتين من غير تفطن لمقاصدهم ( ... )

فما الفائدة للمصنف في هذا العهد في ذكر الأنباء والنساء ونقش الخاتم واللقب والقاضي والوزير والحاجب من دولة قديمة لا يعرف فيها أصولهم ولا أنسابهم ولا مقاماتهم إنما حملهم على ذلك التقليد والغفلة عن مقاصد المؤلفين الأقدمين والذهول عن تحري الأغراض من التاريخ اللهم إلا ذكر الوزراء الذين عظمت آثارهم وعمت على الملوك أخبارهم كالحجاج وبني المهلب والبرامكة وبني سهل بن نوبخت وكافور الأخشيدي وابن أبي عامر وأمثالهم فغير نكير الالماع بآبائهم والاشارة إلى أحوالهم لانتظامهم في عداد الملوك. ( ... ) ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضاً الثقة بالناقلين وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجريح. ومنها الذهول عن المقاصد فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه فيقع في الكذب. ( ... ) ثم يبين في موضع آخر أن المحافظة على العمران من مقاصد الشرع: يقول: (ومثل ما يذكر في أصول الفقه في باب إثبات اللغات أن الناس محتاجون إلى العبارة عن المقاصد بطبيعة التعاون والاجتماع وتبيان العبارات أخف، ومثل ما يذكره الفقهاء في تعليل الأحكام الشرعية بالمقاصد في أن الزنا مخلط للأنساب مفسد للنوع وأن القتل أيضاً مفسد للنوع وأن الظلم مؤذن بخراب العمران المفضي لفساد النوع وغير ذلك من سائر المقاصد الشرعية في الأحكام فإنها كلها مبنية على المحافظة على العمران فكان لها النظر فيما يعرض له)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت