وقال بخصوص مقاصد الشريعة في الحدود الزاجرة (إن الله ما وضع الحدود إلا مصلحة عامة كافة قائمة بقوام الحق, لا زيادة عليها ولا نقصان معها, ولا يصلح سواها, ولكن الظلمة ... قصروا عنها, وأتوا ما أتوا بغير نية منها, ولم يقصدوا وجه الله في القضاء بها ; فلذلك لم يرتدع الخلق بها. ولو حكموا بالعدل ; وأخلصوا النية, لاستقامت الأمور, وصلح الجمهور ; وقد شاهدتم منا إقامة العدل والقضاء والحمد لله بالحق, والكف للناس بالقسط, وانتشرت الأمنة, وعظمت المنعة, واتصلت في البيضة الهدنة, حتى غلب قضاء الله بفساد الحسدة, واستيلاء الظلمة. ) [1]
وبنظرة المؤمن الواثق من حكمة الله يقتحم المقاصد الخفية فيبحث ما هنالك من مصالح ولو في آلام غير المكلفين حيث تخرس ألسنة الراسخين وترد الأمر لرب العالمين، يقول بعد قوله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة .. ) (كما اشترى من المؤمنين البالغين المكلفين كذلك اشترى من الأطفال, فآلمهم وأسقمهم ; لما في ذلك من المصلحة, وما فيه من الاعتبار للبالغين, والثواب للوالدين والكافلين فيما ينالهم منالهم, ويتعلق بهم من التربية والكفالة) [2]
فتحقيق المقاصد عند ابن العربي عموما تكتسي أهمية خاصة، بل (وقد ينتفي الشيء بانتفاء فائدته ; إذ الشيء إنما يراد لمقصوده, فإذا عدم المقصود فكأنه لم يوجد) [3] .
وأما عن مقاصد المكلفين، فقد اعتبر القصد من عمل القلب وكسبه، كما أن النية عنده (أصل الشريعة, وعماد الأعمال, وعيار التكليف) [4] وأن الأصل في غير المقصود للمكلف يعتبر لغوا. يقول رحمه الله بمناسبة كلامه في معاني قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) : (وقد بين المؤاخذة بالقصد, وهو كسب القلب, فدل على أن اللغو ما لا فائدة فيه) [5] والأصل في القصد أن يسبق العمل أويقترن به، يقول: (القصد بالفعل حقيقته أن يقترن به , وإلا لم يكن قصدا له , فنية الوضوء مع أول جزء منه , وكذلك الصلاة , وكذلك الصيام) [6]
وفي ارتباط كلام الناس بالأغراض والمقاصد يقوله: (وقد قال مالك: لو حبس رجل على ولده لانتقل إلى أبنائهم, ولو قال صدقة فاختلف قول علمائنا ; هل تنقل إلى أولاد الأولاد على قولين, وكذلك في الوصية. واتفقوا على أنه لو حلف لا ولد له وله حفدة لم يحنث. وإنما اختلف ذلك في أقوال المخلوقين في هذه المسائل لوجهين: أحدهما: أن الناس اختلفوا في عموم كلام المخلوقين هل يحمل على العموم كما يحمل كلام الباري؟ الثاني: بذلك فيه على قولين: أحدهما أنه لا يحمل كلام الناس على العموم بحال, وإن حمل كلام الله سبحانه عليه. الثاني: أن كلام
(1) أحكام القرآن: ج: 3 ص: 474
(2) أحكام القرآن: ج: 2 ص: 589
(3) أحكام القرآن: ج: 2 ص: 460
(4) أحكام القرآن: ج: 4 ص: 60
(5) أحكام القرآن: ج: 1 ص: 242
(6) أحكام القرآن: ج: 2 ص: 57