فهرس الكتاب

الصفحة 855 من 979

وهذا أبو بكر بن العربي (ت 543 هـ) رأى من خلال غوصه في معاني كلام الله عز وجل، أنه سبحانه القائم على كل شيء بالمصلحة [1] . لا يمكن أن يكون دينه وشريعته إلا مصلحة حقيقية للناس.

فهو يرى أن اعتبار المصلحة من الأسباب القوية في اختلاف الأنبياء, منزلة بعد أن وحدها الله في أصول مشتركة، يقول رحمه الله:(الأصول التي لا تختلف فيها الشريعة, وهي: التوحيد, والصلاة, والزكاة, والصيام, والحج, والتقرب إلى الله تعالى بصالح الأعمال, والتزلف إليه بما يرد القلب والجارحة إليه, والصدق, والوفاء بالعهد, وأداء الأمانة, وصلة الرحم, وتحريم الكفر, والقتل, والزنا, والإذاية للخلق, كيفما تصرفت, والاعتداء على الحيوان كيفما كان, واقتحام الدناءات, وما يعود بخرم المروءات. فهذا كله شرع دينا واحدا وملة متحدة لم يختلف على ألسنة الأنبياء , وإن اختلفت أعدادهم , وذلك قوله تعالى: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه}

أي اجعلوه قائما , يريد دائما مستمرا , محفوظا مستقرا , من غير خلاف فيه , ولا اضطراب عليه. فمن الخلق من وفى بذلك, ومنهم من نكث به, ومن نكث فإنما ينكث على نفسه. واختلفت الشرائع وراء هذا في معان حسبما أراده الله , مما اقتضته المصلحة , وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة على الأمم. والله أعلم. ) [2] وهذه الأصول المحددة لرسالة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تصلح لاستنباط دستور مقاصدي عالمي مشترك بين المسلمين وغيرهم باعتبار وجوده في تراثهم ينتظر الكشف والحوار والتصحيح والتفاهم والإعمال ويمهد لاعتناق الإسلام من كتبت لهم السعادة بذلك.

ويعتبر ابن العربي مراعاة المصلحة أيضا سر التدرج في التشريع داخل شريعة الإسلام: (اعلموا وفقكم الله تعالى أنا قد بينا أن الشرع لم يأت دفعة, ولا وقع البيان في تفصيله في حالة واحدة ; وإنما جاء نجوما وشذر شذورا لمصلحة عامة وحكمة بالغة) [3]

وأشار في كثير من الأحيان إلى رعاية الشريعة لمصالح الخلق باعتبار ذلك من مقاصد الدين، ففي مصلحة الدعوة ورعاية حقوق العباد يقول: (حقوق الآدميين لا يغفرها الباري سبحانه إلا بمغفرة صاحبها, ولا يسقطها إلا بإسقاطه. فإن قيل: فقد قال تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} . قلنا: هذه المغفرة عامة في كل حق. قلنا: هذه مغفرة عامة بلا خلاف للمصلحة في التحريض لأهل الكفر على الدخول في الإسلام ; فأما من التزم حكم الإسلام فلا يسقط عنه حقوق المسلمين إلا أربابها) [4] ويقول في الدعوة أيضا بمناسبة تعرضه لحديث قاتل تسعة وتسعين نفسا (والتنفير مفسدة للخليقة , والتيسير مصلحة لهم. ) [5]

(1) أحكام القرآن: ج: 3 ص: 132

(2) أحكام القرآن: ج: 4 ص: 74 - 75

(3) أحكام القرآن: ج: 1 ص: 494

(4) أحكام القرآن: ج: 2 ص: 102

(5) أحكام القرآن: ج: 2 ص: 398

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت