ونجد أبا الوليد الباجي (ت 474هـ) لا تخلو كتبه من إشارات مقاصدية، فهو يرى أن أوفق أنواع الاجتهاد ما كان مبنيا على العلم بالمصالح، يقول رحمه الله: (والي كل بلد أعلم بوجوه مصالحه الخاصة فلذلك كان الاجتهاد فيه إليه) [1]
وفي مقاصد المكلفين نجد قوله: (المرغوب إليه هو الله تعالى والمقصود بالعمل) [2] وكذا قوله: (من لا يعقل لا يعتبر بأقواله ولا تصح مقاصده) [3] وفيما يظهر من قصد للمكلف غير مرغوب فيه في الشرع وإن كان الظاهر التزام رسوم الشريعة، يشير الباجي إلى قاعدة جليلة في الذرائع حيث يقول: (الذرائع يقوى منعها بتكرر القصد إليه والغرض فيه , فيعبر عنه أصحابنا بقوة التهمة فيه ويضعف وجه المنع بقلة قصده , وذلك فيما يحتمل وجوها من الصحة ووجها أو وجوها من الفساد المقتضي للمنع فيحمل على المقصود من تلك الوجوه , وأما ما كان الفساد له لازما فإن ذلك ممنوع لنفسه) [4]
وفي المقاصد الفرعية نجد قوله: (صلاة الجنازة مقصودها الدعاء للميت) [5] والمقصود من سكنى العدة حفظ النسب، ففي علاقة بقول مالك رحمه الله تعالى في شأن المبتوتة: السكنى على زوجها في العدة ويحبس ويباع عليه فيه ماله، قال: (السكنى , وإن كانت حقا من حقوق الزوجية , فإن المقصود منه حفظ النسب ولحق الله به تعلق فيغلظ لذلك فليس للزوجة إسقاطه) [6] .
وفي طرق معرفة مقاصد المتكلمين يقول: (العلم بمقاصد المخاطب يعلم بالمشاهدة ضرورة كما يعلم ضرورة العلم بما يقع منه من خجل أو غضب أو جزع أو مرض أو استعمال) [7] كما يؤكد في موضع آخر ضرورة مراعاة مقاصد العرب في كلامها للوقوف على المعاني الحقيقية ومقاصد الشرع، يقول: (وقوله صلى الله عليه وسلم {: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه} يحتمل أن يريد أن فيه شدة على النساء وكثرة تأديب , وهذا اللفظ , وإن كان لا بد أن يضع عصاه عن عاتقه وقت نومه وأكله فصحيح على مقاصد العرب في كلامها ; لأنه لم يرد بذلك إلا المبالغة في وصفه بما هو عليه من ذلك. ) [8]
وفي تأصيل اعتبار المعاني والمقاصد من غير جمود على الألفاظ والمباني يقول: (وقول عمر لابن مسلمة والله ليمرن به , ولو على بطنك دليل على اعتبار المقاصد دون الألفاظ في الأيمان ; لأنه لا خلاف أن عمر لا يستجيز أن يمر به على بطن محمد) [9]
(1) المنتقى للباجي: ج: 2 ص: 155
(2) المنتقى للباجي: ج: 2 ص: 207
(3) المنتقى للباجي: ج: 3 ص: 173
(4) المنتقى للباجي: ج: 4 ص: 164
(5) المنتقى للباجي: ج: 2 ص: 13
(6) المنتقى للباجي: ج: 4 ص: 101
(7) المنتقى للباجي: ج: 7 ص: 149
(8) المنتقى للباجي: ج: 4 ص: 106
(9) المنتقى للباجي: ج: 6 ص: 47