خسارا ( ... ) وما أراد الله تعالى بهم مصلحة قط ( ... ) الله تعالى لم يبعث قط موسى عليه السلام لمنفعة فرعون ولا لمصلحته ولا بعث محمدا صلى الله عليه وسلم لمنفعة أبي جهل ولا لمصلحته بل لمضرتهما ولفساد آخرتهما ودنياهما وهكذا القول في كل كافر ( ... ) وأيضا فلا شيء في العالم فيه مصلحة لإنسان إلا وفيه مضرة لآخر ( ... وصح بالضرورة أنه يفعل ما يشاء لصلاح ما شاء ولفساد ما شاء ولنفع من شاء ولضر من شاء ليس ههنا شيء يوجب إصلاح من صلح ولا إفساد من أفسد ولا هدي من هدى ولا إضلال من أضل ولا إحسان إلى من أحسن إليه ولا الإساءة إلى من أساء إليه لكن فعل ما شاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) [1]
ومع هذا الموقف الشديد لابن حزم من المصالح فلا يذهبن الناظر إلى الاعتقاد بأنه ضدها، وإنما هاجسه في جوهره نظري يغلب فيه الاحتياط من دخول الأهواء على خط الشريعة والحكم في حياة الناس بغير ما أنزل الله، وإلا فالالتزام بظاهر النصوص لا يعدم تحقيق المصالح والمقاصد، وإن حمل معه أحيانا بعض العنت والشدة، يقول الشاطبي في المرتبة الثالثة من مراتب التزام الشرع في علاقة ذلك بالمقاصد(أن يقصد مجرد امتثال الأمر، فهم قصد المصلحة أو لم يفهم.
فهذا أكمل وأسلم) [2] ، ولهذا فكتب ابن حزم لا تخلو من ذكر للمقاصد والمصالح، فنجد في"المحلى"مثلا قوله: (فكل مال لا يعرف صاحبه فهو لله تعالى ثم في مصالح عباده) [3] وفيمن لم يعرف مصدر اللقطة: (فإن يئس بيقين عن معرفة صاحبه فهو في جميع مصالح المسلمين) [4] ونجد مهاجمة شديدة لأهل الحيل الفقهية الذين يبررون تضييع المقاصد بالعقود الصورية، فهو يستبشع قول بعض الأحناف (الذين يقولون: من عشق امرأة جاره فرشا شاهدين فشهدا له بأن زوجها طلقها , وأنها اعتدت , وأنها تزوجت هذا - وهي منكرة وزوجها منكر - والله تعالى يعلم أنهما كاذبان , فقضى القاضي بذلك فإنه يطؤها حلالا طيبا - فهذه هي الشناعة المضاهية لخلاف الإسلام) [5] .
وبخصوص مقاصد المكلفين نجده عقد بابا في"الإحكام"في وجوب النيات في جميع الأعمال والفرق بين الخطأ الذي تعمد فعله ولم يقصد به خلاف ما أمر وبين الخطأ الذي لم يتعمد فعله، وبين العمل المصحوب بالقصد إليه، وحيث يلحق عمل المرء غيره بأجر أو إثم، وحيث لا يلحق (قال أبو محمد قال الله عز وجل:(ومآ أمروا إلا ليعبدوا لله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا لصلاة ويؤتوا لزكاة وذلك دين القيمة) وقال تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين لناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا
(1) الإحكام: ج: 8 ص: 583 - 586
(2) الموافقات ج: 2 ص: 347
(3) المحلى: ج: 7 ص: 279
(4) المحلى: ج: 8 ص: 258
(5) المحلى: ج: 6 ص: 356