فهرس الكتاب

الصفحة 845 من 979

ومشابهة الأصنام، فللتمكين منها وجه وللمنع منها وجه، وبحسب ما تقتضيه شواهد الأحوال يكون إنكاره وإقراره).

ومما هو طريف أيضا في نظر المحتسبين للمآلات، ما أورد من ملاحظة احد المحتسبين، في صلاة الناس في جامعي البصرة والكوفة، فإنهم كانوا إذا صلوا في صحنه فرفعوا من السجود مسحوا جباهم من التراب فأمر بإصلاح صحن المسجد الجامع (وقال لست آمن أن يطول الزمان فيظن الصغير إذا نشأ أن مسح الجبهة من أثر السجود سنة في الصلاة. )

وفي الباب السابع في ولاية المظالم أشار إلى أنه لما كان المقصود النظر في المظالم ويكون عامله بحيث (يقصده فيه المتظلمون ويراجعه فيه المتنازعون، فيكون مندوبا للنظر في جميع الأيام، وليكن سهل الحجاب نزه الأصحاب) .

وفي إمكانية إدراك المصالح يمكن إدراج إشادته بنعمة العقل في خطوة مهمة لدفع تشويش المتكلمين الذين وقعوا تحت تأثير فلسفات أجنبية عن روح الإسلام، وكذا ضغط ردود الأفعال على الفكر الاعتزالي حتى أضحت معارضتهم مقصدا مرغوبا، وكدنا نقول بنفي العقل في كل شيء أثبتوا دوره فيه. فهو يقول في الباب الأول من كتابه"أدب الدنيا والدين"وبعنوان معبر جدا يستبعد ركوب الأهواء باسم العقل (فضل العقل وذم الهوى: اعلم أن لكل فضيلة أسا ولكل أدب ينبوعا, وأس الفضائل وينبوع الآداب هو العقل الذي جعله الله تعالى للدين أصلا وللدنيا عمادا, فأوجب الدين بكماله وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه, وألف به بين خلقه مع اختلاف هممهم ومآربهم, وتباين أغراضهم ومقاصدهم, وجعل ما تعبدهم به قسمين: قسما وجب بالعقل فوكده الشرع, وقسما جاز في العقل فأوجبه الشرع فكان العقل لهما عمادا. ) [1]

وجاء ابن حزم (ت456هـ) ليقف في الطرف المعارض لهذا التيار الجارف القائل بالمصالح وبسط رداء المعاني ولينفي عن الأحكام كل علة أو القول بمصلحة، بل هي عنده أوامر ربانية بحسب إرادته وكفى، يقول في الإحكام عن حكم الشرائع (وكل ذلك لا علة له ولا شيء يوجبه أصلا لا مصلحة ولا غيرها إلا أنه تعالى أراد ذلك كما أراد خلق ما خلق من الخلائق المختلفات فقط) [2] ثم يهاجم بشراسته المعهودة مبدأ التعليل: (إن أول ضلال هذه المسألة قياسهم الله تعالى على أنفسهم في قولهم إن الحكيم بيننا لا يفعل شيئا إلا لعلة فوجب أن يكون الحكيم عز وجل كذلك. قال أبو محمد وهم متفقون على أن القياس هو تشبيه الشيء بالشيء فوجب أنهم مشبهون الله تعالى بأنفسهم وقد أكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله: .. ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) إلى آخر ما رد به.

وهاجم القول بالمصالح: (وأما قولهم إنه تعالى يفعل الأشياء لمصالح عباده، فإن الله تعالى أكذبهم بقوله: وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا، فليت شعري أي مصلحة للظالمين في إنزال ما لا يزيدهم إلا

(1) أدب الدنيا والدين: ص: 15 - دار مكتبة الحياة

(2) الإحكام: ج: 4 ص: 473

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت