كما عليه إقامة العدل، وصون المحارم عن الانتهاك، وحفظ الحقوق من الإتلاف، ثم أوضح في الباب التاسع عشر في أحكام الجرائم مقاصد الشريعة في الحدود حيث يقول: (فجعل الله تعالى من زواجر الحدود ما يردع به ذا الجهالة حذرا من ألم العقوبة وخيفة من نكال الفضيحة ليكون ما حظر من محارمه ممنوعا وما أمر به من فروضه متبوعا وتكون المصلحة أعم والتكليف أتم)
وكذا تحصين الثغور، وإمضاء الجهاد (ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله) (ولا يقصد بجهاده استفادة المغنم فيصير من المتكسبين لا من المجاهدين) .
وعليه جباية الأموال بحق، فمن يتولى مثلا الخراج يأخذ في الاعتبار (اختلاف الأرضين واختلاف الزروع واختلاف السقي ليعلم قدر ما تحمله الأرض من خراجها فيقصد العدل فيها) .
ودعا إلى مباشرة الحاكم أموره بنفسه (لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلا بلذة أو عبادة. فقد يخون الأمين ويغش الناصح)
ومطلوب إعادة توزيع الثروة والأموال في وجوهها المشروعة، فما يوزعه الحاكم مثلا من مال على الناس يختلف في رأي الماوردي بحسب المقصود منه، فإذا (كانت صلة الإمام لا تعود بمصلحة على المسلمين وكان المقصود بها نفع المعطى خاصة كانت صلاتهم من ماله) أي ماله الخاص وليس من بيت مال المسلمين وخزينة الدولة. وبخصوص سهم المؤلفة قلوبهم وزعه بطريقة مقاصدية تراعي عددا من المصالح، فمنهم من يعطى له لمعونة المسلمين، ويعطى آخرون لكف أذاهم، وغيرهم لترغيبهم في الإسلام أو ترغيب قومهم وعشائرهم.
ويحث على اختيار الأمناء الأكفاء وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال ويكله إليهم من أموال، والمقصد (لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة والأموال بالأمناء محفوظة)
ولم يفته تحديد مقاصد جملة من الوظائف والمؤسسات داخل الأمة لتحقيق مصالح المسلمين على الوجه الأفضل والأكمل، فمجالس الشورى وأهل الحل والعقد ممن يساهمون في القرارات الكبرى للأمة ويختارون الحاكم، لابد فيهم من (الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح وبتدبير المصالح أقوم وأعرف) . وفي مجال الحسبة والقضاء وعمل المظالم لا بد لمن يتصدى لها من معرفة مقاصد كل وظيفة حتى يسلك إليها أفضل السبل وأوفقها. ففي الباب العشرين في أحكام الحسبة يذكر من ضمن ما يذكر من مقاصد الحسبة (الرهبة للناظر في الحسبة من سلاطة السلطنة واستطالة الحماة فيما تعلق بالمنكرات ما ليس للقضاة، لأن الحسبة موضوعة للرهبة، فلا يكون خروج المحتسب إليها بالسلاطة والغلظة تجورا فيها ولا خرقا) .
بينما عنده القضاء (موضوع للمناصفة فهو بالأناة والوقار أحق) . كما لم يفته توجيه المحتسب إلى مراعاة المقاصد فيما يأمر وفيما ينهى، وفي النهي عن المنكرات ذكر أمرا طريفا يتعلق بنوع من تعارض المصالح في لعب البنات، يقول: (وأما اللعب فليس يقصد بها المعاصي وإنما يقصد بها إلف البنات لتربية الأولاد. وفيها وجه من وجوه التدبير تقارنه معصية بتصوير ذوات الأرواح