فهرس الكتاب

الصفحة 842 من 979

وجعلته سمة وعلامة، وإن غلب في ظن غيري سواه وعمل عليه أصاب ولم يخطئ وكل مجتهد مصيب

وسأله الشيعي قائلا: وهب أنا سلمنا لك التعبد بغلبة الظن في الشريعة، ما الدليل على أنه قد يغلب فيما زعمت؟ وما السبب الموجب له أرناه؟ فانا نطالبك به بجهة الاستخراج للسمة والعلة السمعية، فان أوجدتنا ذلك، ساغ لك وإن لم توجدناه بطل ما اعتمدت عليه.

فقال رحمه الله: أسباب غلبة الظن معروفة وهي كالرجل الذي يغلب في ظنه إن سلك هذا الطريق نجا وإن سلك غيره هلك، وإن اتجر في ضرب من المتاجر ربح، وإن اتجر في غيره خسر، وإن ركب إلى ضيعة والسماء متغيمة مطر، وإن ركب وهي مصحية سلم، وإن شرب هذا الدواء انتفع، وإن عدل إلى غيره استضر وما أشبه ذلك. ومن خالفني في أسباب غلبة الظن قبح كلامه.

ثم قال الشيعي: إن هذا الذي أوردته لا نسبة بينه وبين الشريعة وأحكامها، وذلك أنه ليس شيء منه إلا وللخلق فيه عادة وبه معرفة فإنما يغلب ظنونهم حسب عاداتهم، وإمارات ذلك ظاهرة لهم، والعقلاء يشتركون في أكثرها وما اختلفوا فيه فلاختلاف عاداتهم خاصة، وأما الشريعة فلا عادة فيها ولا أمارة من دربة ومشاهدة لان النصوص قد جاءت فيها باختلاف المتفق في صورته، وظاهر معناه واتفاق المختلف في الحكم، وليس للعقول في رفع حكم منها وإيجابه مجال، وإذا لم يكن فيها عادة بطل غلبة الظن فيها.

ألا ترى أنه من لا عادة له بالتجارة ولا سمع بعادة الناس فيها لا يصح أن يغلب ظنه في نوع منها بربح ولا خسران، ومن لا معرفة له بالطرقات ولا بأغيارها ولا له عادة في ذلك ولا سمع بعادة فليس يغلب ظنه بالسلامة في طريق دون طريق. ولو قدرنا وجود من لا عادة له بالمطر ولا سمع بالعادة فيه، لم يصح أن يغلب في ظنه مجيء المطر عند الغيم دون الصحو، وإذا كان الأمر كما بيناه وكان الاتفاق حاصلا على أنه لا عادة في الشريعة للخلق بطل ما ادعيت من غلبة الظن وقمت مقام المقتصر على الدعوى.

فقال الباقلاني: هذا الآن رد على الفقهاء كلهم وتكذيب لهم فيما يدعونه من غلبة الظن ومن صار إلى تكذيب الفقهاء كلهم قبحت مناظرته.

ورد الشيعي: ليس كل الفقهاء يذهب مذهب الاعتماد في المعاني والعلل على غلبة الظن، بل أكثرهم يزعم أنه يصل إلى ذلك بالاستدلال والنظر فليس كلامنا ردا على الجماعة، وإنما هو رد عليك وعلى فرقتك خاصة. فان كنت تقشعر من ذلك فما ناظرناك إلا له، ولا خالفناك إلا من أجله، مع أن الدليل إذا أكذب الجماعة فلا حرج علينا في ذلك ولا لوم، بل اللوم لهم إذا صاروا إلى ما تدل الدلائل على بطلانه وتشهد بفساده [1] . إلى آخر ما قال.

فيظهر من هذه المناظرة أن البقلاني:

(1) الشيخ المفيد (ت 413هـ) "الفصول المختارة"ص: 84 - 86 تحقيق: السيد مير علي شريفي- دار المفيد- بيروت- ط: 2 - 1414 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت