فهرس الكتاب

الصفحة 841 من 979

والفرع لما اشتركا فيه فهما مشتركان في المعنى المناسب .. ) [1] وقد اختلف معه الجويني في بعض هذه المعاني حيث عكس ما بين مذهبه الشافعي ومذهب الباقلاني المالكي من تباين في توسيع معاني ومقاصد النصوص أو تضييقها.

والذي يظهر أن الباقلاني يميل إلى توسيع إعمال المعاني وبسطها، حتى لكأنما تظهر بغير حدود تضبطها، بينما يميل الجويني إلى مزيد من الضبط ووضع الحدود وكبح الجماح خوفا من دخول ما ليس من الشرع داخل حمى الشريعة، وكأنه يريد القيام بدور مع الباقلاني شبيه بما يراه للشافعي مع أبي حنيفة ومالك عندما وقف موقفه من الاستحسان وإعمال المصالح.

فبقدر إعجاب الجويني بعلم وذكاء وأسبقية الباقلاني، بقدر ما يأسف ويتمنى أن لو لم تكن تلك الكبوة في حياة ومنهج ذلك الفارس الكبير، فاقرأ معي هذا النص لنقف على لمحة معبرة للتجاذب الحقيقي في التيار المقاصدي بين فصيل القبض وفصيل البسط في هذه الشريعة الغراء. يقول الجويني: (قال القاضي: ليس في الأقيسة المظنونة تقديم ولا تأخير وإنما الظنون على حسب الاتفاقات. وهذا بناه على أصله في أنه ليس في مجال الظن مطلوب هو تشوف الطالبين ومطمع نظر المجتهدين قال بانيا على هذا: إذا لم يكن مطلوب فلا طريق إلى التعيين وإنما المظنون على حسب الوفاق. وهذه هفوة عظيمة هائلة لو صدرت من غيره لفوقت سهام التقريع نحو قائله، وحاصله يئول إلى أنه لا أصل للاجتهاد وكيف يستجيز مثله أن يثبت الطلب والأمر به ولا مطلوب، وهل يستقل طلب دون مطلوب مقدر ومحقق. )

إلى أن يقول في تأسف وانفعال ظاهر: (ولو تمكنت بمبلغ جهدي من إخفاء هذا المذهب والسعي في انمحاقه لبذلت فيه كنه جهدي فإنه وصمة في طريق هذا الحبر، وهو على الجملة هفوة عظيمة وميل عن الحق واضح) [2]

وليست هذه الهفوة والوصمة غير القول بالمصلحة المرسلة باصطلاح المتأخرين مقصدا شرعيا للاستنباط والاجتهاد. والظاهر أن المشكلة ليست في المصلحة ولكن في إرسالها وإطلاقها وبسطها.

فالباقلاني بالتأكيد لا يذهب إلى أن يكون (الأمر إلى القائل كيف أراد) كما هو في نص كلامه الذي أورده قبل الجويني، ولكن يريد الثقة في المجتهد إذا لم يجد نصا مباشرا أن يهتدي بالمعاني والمقاصد، وأما عن غياب"المطلوب"للمجتهد كما يريده الجويني فليس سوى الحديث عن حالة غياب الدليل المباشر حيث"لا طريق للتعيين".

ويحضرني مقطع من مناظرة بين الباقلاني وأحد أقطاب الشيعة، حفظها أحد مراجعهم، يتجلى فيها مقصود الباقلاني بما يمكن أن نسميه اليوم"اجتهاد المصلحة المعتبرة"أو"القياس الواسع"أو"الاجتهاد المقاصدي".

يقول رحمه الله بأنه يسير في الاجتهاد فيما لا نص فيه وفق سمات وعلامات هادية في الطريق على ما يرجحه غالب الظن: (فما غلب في ظني عملت عليه

(1) البرهان في أصول الفقه: ج: 2 ص: 565

(2) البرهان في أصول الفقه: ج: 2 ص: 581

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت