وهذا ابن حبان (ت353هـ) يعقد بابا في أن النيات ومقاصد المكلفين أعمال يكون على مدارها البعث والجزاء الأخروي، يقول في صحيحه (ذكر الأخبار بأن الله جل وعلا إذا أراد عذابا بقوم نال عذابه من كان فيهم عند البعث على حسب النيات أخبرنا بن قتيبة قال حدثنا حرملة قال حدثنا بن وهب قال أخبرنا يونس عن بن شهاب قال أخبرني حميد بن عبد الرحمن قال إن عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا انزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم) [1]
فاعتبر الأعمال هنا من خلال ترجمته في المقاصد والنيات تنبيها إلى أهميتها وخطورة شأنها. كما أشار إلى المقاصد الأخروية التي تهم الأمة في حديث ما أطلع الله نبيه - رضي الله عنه - عليه من أحوال الجنة والنار يقول: (فأما الأوصاف التي وصف انه رأى أهل الجنة بها وأهل النار بها فهي أوصاف صورت له صلى الله عليه وسلم ليعلم بها مقاصد أمته في الدارين جميعا ليرغب أمته بأخبار تلك الأوصاف لأهل الجنة ليرغبوا فيها ويرهبهم بأوصاف أهل النار ليرتدعوا عن سلوك الخصال التي تؤديهم إليها [2]
وممن يذكر لهم علاقة بالمقاصد أبو بكر القفال الشاشي (ت 365هـ) إمام الشافعية في زمانه وصاحب كتاب"محاسن الشريعة". [3]
ويعتبر أبو بكر الجصاص الحنفي (ت370هـ) من أوائل من وصل إلينا ممن تنبه إلى ربط العقوبات الشرعية بالمصالح يقول: (ثبت أن عقوبات الدنيا ليست موضوعة على مقادير الإجرام, وإنما هي على ما يعلم الله من المصالح فيها) [4] يقول رحمه الله في أحكام القرآن وهو ينبه على المصالح الضرورية: (الدماء والفروج والأموال والأنساب من الأمور التي قد عقد بها مصالح الدين والدنيا) [5] وأما الدين فيشير إليه في قوله: (فكانت الدلائل منصوبة للاعتقاد وإظهار الإسلام معا ; لأن تلك الدلائل من حيث ألزمتهم اعتقاد الإسلام فقد اقتضت منه إظهاره والقتال لإظهار الإسلام , وكان في ذلك أعظم المصالح) [6] ومما يبين تقديمه الدين على باقي الضروريات الأخرى قوله في كتابه"الفصول في الأصول"في معرض الإشارة إلى إباحة الاجتهاد في الشرع: (وكان ذلك من أمور الدين , إذ كان أكبر المصالح) [7]
كما أنه في إشارة لطيفة - يمكن إدراجها فيما يحتاط منه في مقاصد المكلفين- نبه إلى رغبة أهل الكفر والزيغ والضلال بأن تكون دلائل الله تعالى تابعة لمقاصد السفهاء، وذلك عند قوله عز وجل: قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير
(1) 7315 صحيح ابن حبان: ج: 16 ص: 306 الحديث
(2) نفس المرجع السايق: ج: 16 ص: 495
(3) نظرية المقاصد: ص: 29
(4) أحكام القرآن ج: 1 ص: 38
(5) أحكام القرآن: ج: 1 ص: 694
(6) أحكام القرآن: ج: 1 ص: 618
(7) أحكام القرآن: ج: 4 ص: 71