وفي ثنايا حديثه عن الفطرة تحدث عن إدراك العقول للمضار والمنافع، والتي تكون بتصديق الشرع هي ذاتها المصالح والمفاسد. يقول: (والنفس والروح يعقلان أمر الدنيا والمضار والمنافع. والآيات ظاهرة من خلق السماوات والأرض والشمس والقمر واختلاف الليل والنهار وهذه حجج الله سبحانه وتعالى على عبيده) [1]
وهذا أبو جعفر الطحاوي (ت 320هـ) يعمق النظر في مقاصد المكلفين وخصوصا فيما لم يقصدوا إليه من الأفعال، جاهدا نفسه للدفاع عن رأي الأحناف في الإقرار بطلاق المكره، فتصدى أولا لضبط بعض المصطلحات مثل تعريفه الخطأ بأنه: (ما أراد الرجل غيره ففعله لا عن قصد منه إليه ولا إرادة منه إياه) وكذا السهو بأنه: (ما قصد إليه ففعله على القصد منه إليه على أنه ساه عن المعنى الذي يمنعه من ذلك الفعل) ثم تصدى للنصوص التي احتج بها من لا يرون وقوع طلاق المكره، فقال في احتجاجهم بقوله عز وجل: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) وقوله - صلى الله عليه وسلم: (تجاوز الله لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)
بأن كل هذا إنما جاء في الشرك خاصة، لأن القوم كانوا حديثي عهد بكفر في دار كانت دار كفر. فكان المشركون إذا قدروا عليهم إستكرهوهم على الإقرار بالكفر فيقرون بذلك بألسنتهم قد فعلوا ذلك بعمار بن ياسر رضي الله عنه وبغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم فنزلت فيهم إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان وربما سهوا فتكلموا بما جرت عليه عادتهم قبل الإسلام وربما أخطأوا فتكلموا بذلك أيضا فتجاوز الله عز وجل لهم عن ذلك مختارين لذلك ولا قاصدين إليه. وكذا حديث (إنما الأعمال بالنيات) إنما هو في الثواب والأجر لا في الطلاق أو الزواج أو غيره.
وبدافع الجمع بين النصوص رأى إعمال ما وجد منها في الاعتقاد والإكراه على الشرك وإعمال نص آخر جاء به في المعاملات والعقود، وهو قول حذيفة - رضي الله عنه - (ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي فأخذنا كفار قريش فقالوا إنكم تريدون محمدا فقلنا ما نريد إلا المدينة فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه فقال انصرفا، من الوفاء نفي لهم بعهودهم ونستعين الله عليهم) فرغم تعرضهما للإكراه الظاهر فيما التزما به اعتبر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الالتزام وأمرهما بالوفاء به. ثم عضد هذا المذهب بحديث: {ثلاث جدهن جد, وهزلهن جد, النكاح, والطلاق, والرجعة}
ولما حوصر بموقف الأحناف الذي لا يقر العقود المالية تحت الإكراه رد بأن (البيوع والإجارات, قد ترد بالعيوب وبخيار الرؤية, وبخيار الشرط, وليس النكاح كذلك, ولا الطلاق ولا المراجعة ولا العتق) [2] .
ويهمنا في هذا المقام النقاش الحاصل في مقاصد المكلفين، وإن كان المنحى المقاصدي واضح جدا في صف المالكية ومن يقول طلاق المكره لا يجوز.
(1) نفس المرجع السابق ج: 1 ص: 310
(2) شرح معاني الآثار: ج: 3 ص: 95 - 99