فهرس الكتاب

الصفحة 837 من 979

أطاع وانقاد لأمر الله عز وجل، فالنفس إنما تخف وتنقاد، إذا رأت نفع شيء أو ضرر شيء. والنفس جندها الشهوات، وصاحبها محتاج إلى أضدادها من الجنود حتى يقهرها وهي الفقه) [1] فمعرفة المقاصد تجلب يسر التدين، وغير ذلك فيه مكابدة وعسر.

ثم أعطى نماذج من المقاصد الفرعية عندما قال: (أحل الله عز وجل النكاح وحرم الزنا. وإنما هو إتيان واحد لامرأة واحدة، إلا أن هذا بنكاح وذاك بزنى فإذا كان من نكاح فمن شأنه العفة والتحصين للفرج. فإذا جاءت بولد ثبت النسب وجاء العطف من الوالد بالنفقة والتربية والميراث. وإذا كان من زنا ضاع الولد لأنه لا يدري أحد من الواطئين لمن هذا الولد، فهذا يحيله على ذلك، وذاك يحيله على هذا وحرم الله عز وجل الدماء وأمر بالقصاص ليتحاجزوا وليحيوا وقال تعالى في تنزيله ولكم في القصاص حياة) [2]

وبخصوص تأثير مقاصد المكلفين في طبيعة الأعمال، يقول في الحلي والزينة: (والزينة والحلية حق، وإنما يفسدها الإرادة والقصد. فإذا كان الإرادة لله تعالى فقد أقام حقا من حقوق الله تعالى، وعبد الله بإقامته. وإذا كان لغير الله صار وبالا كسائر الأشياء) [3]

ثم إنه عقد فصلا يبدو مستغربا في مثل كتابات الزهد والتصوف. ويتعلق بالدعوة القوية للأخذ بالأسباب والوسائل نحو المقاصد الشريفة، ويعبر بلفظ"التعلق"الشديد الحساسية في هذا الموطن. إذ المألوف: القول بأخذ الأسباب دون التعلق بها. يقول:(الأصل الثامن في بيان أن التعلق بالأسباب مع التوحيد لا يضر: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أشفق من الحاجة أن ينساها جعل في يده خيطا ليذكرها أو يذكره. والذكر والنسيان من الله تعالى إذا شاء ذكر وإذا شاء أنسى، وربط الخيط سبب من الأسباب لأنه نصب العين فإذا رآه ذكر ما نسي.

فهذا سبب موضوع دبره رب العالمين لعباده كسائر الأسباب. تحرز الأشياء بالأبواب والأقفال والحراس ويستشفى من الأسقام بالأدوية وتقبض الأرزاق والأقوات بالطلب، وكل أمر بحيلة وسبب. والأرض تخرج نباتها بالماء وهذا تدبيره في عباده والخيط والذكر والشفاء وإيصال الأرزاق كل ذلك بيده يجريها على الأسباب .. ) [4]

ثم يبين أحوال الناس في الأخذ بالأسباب، فأهل اليقين مثلا لا تضرهم الأسباب يمضون عليها يتداوون ويحترفون ويكونون في كل ذلك مع ولي الأسباب وخالقها فيسلمون من الافتتان بها، لأنها كلها من الله تعالى ويختلف أهل اليقين في درجة إبصارهم يد الله خلفها بحسب قوته ودوامه.

(1) نفس المرجع السابق ج: 1 ص: 137

(2) نفس المرجع السابق ج: 1 ص: 137

(3) نفس المرجع السابق ج: 2 ص: 6

(4) نفس المرجع السابق ج: 1 ص: 97 - 98

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت