حكمة الله عز وجل وعلاقتها بمصالح العباد: (وأما قوله إن الله كان عليما حكيما فإنه يعني جل ثناؤه إن الله لم يزل ذا علم بما يصلح خلقه أيها الناس فانتهوا إلى ما يأمركم يصلح لكم أموركم، حكيما: يقول لم يزل ذا حكمة في تدبيره وهو كذلك فيما يقسم لبعضكم من ميراث بعض وفيما يقضي بينكم من الأحكام لا يدخل حكمه خلل ولا زلل لأن قضاء من لا يخفى عليه مواضع المصلحة في البدء والعاقبة) [1] ومثله أيضا قوله: (والله واسع، يقول والله جواد بفضله على من جاد به عليه لا يخاف نفاد خزائنه فيكف من عطائه، عليم بموضع جوده وعطائه فلا يبذله إلا لمن استحقه ولا يبذل لمن استحقه إلا على قدر المصلحة لعلمه بموضع صلاحه له من موضع ضره) [2]
ويؤكد ذلك في فروع الشرع، وأشار في الرضاع إلى مقصود التشاور والتراضي: (وأما قوله عن تراض منهما وتشاور، فإنه يعني عن تراض منهما وتشاور فيما فيه مصلحة المولود لفطمه) [3] وفي مصلحة إقامة الشهادة لله: (فإن الله الذي سوى بين حكم الغني والفقير فيما ألزمكم أيها الناس من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل أولى بهما وأحق منكم لأنه مالكهما وأولى بهما دونكم فهو أعلم بما فيه مصلحة كل واحد منهما في ذلك وفي غيره من الأمور كلها منكم فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما وعليها فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا) [4]
وفي شأن الصدقات (وقوله فريضة من الله يقول جل ثناؤه قسم قسمه الله لهم فأوجبه في أموال أهل الأموال لهم، والله عليم بمصالح خلقه فيما فرض لهم ذلك لا يخفى عليه شيء فعلى علم منه فرض ما فرض من الصدقة وبما فيها من المصلحة حكيم في تدبيره خلقه لا يدخل في تدبيره خلل) [5]
وقال كلاما رائعا في مقصد سهم المؤلفة قلوبهم (قال أبو جعفر والصواب من القول في ذلك عندي أن الله جعل الصدقة في معنيين أحدهما سد خلة المسلمين والآخر معونة الإسلام وتقويته. فما كان في معونة الإسلام وتقوية أسبابه فإنه يعطاه الغني والفقير لأنه لا يعطاه من يعطاه بالحاجة منه إليه، وإنما يعطاه معونة للدين وذلك كما يعطي الذي يعطاه بالجهاد في سبيل الله فإنه يعطي ذلك غنيا كان أو فقيرا للغزو لا لسد خلته وكذلك المؤلفة قلوبهم يعطون ذلك وإن كانوا أغنياء استصلاحا بإعطائهم أمر الإسلام وطلب تقويته وتأييده) [6] فعلق ابن العربي في"أحكام القرآن"على رأي الطبري بقوله: (وما فهم المقصود أحد فهم الطبري ; فإنه قال: الصدقة لسد خلة المسلمين , ولسد خلة الإسلام) [7]
(1) تفسير الطبري: ج4 ص: 282
(2) تفسير الطبري: ج: 6 ص: 287
(3) تفسير الطبري: ج 2 ص: 507
(4) تفسير الطبري: ج 5 ص: 321
(5) تفسير الطبري: ج: 10 ص: 166
(6) تفسير الطبيري: ج: 10 ص: 163
(7) أحكام القرآن: ج: 2 ص: 522