فهرس الكتاب

الصفحة 719 من 979

وقد يكون لهذه القاعدة ما يشبه الاستثناء فيتم ترجيح القياس الذي تشهد له الأصول على الأثر الذي لا تشهد له الأصول:

مثل ذكر ابن رشد لرأي مالك في مسألة ترتيب كفارة انتهاك حرمة رمضان:(وقال مالك هي على التخيير وروى عنه ابن القاسم مع ذلك أنه يستحب الإطعام أكثر من العتق ومن الصيام وسبب اختلافهم في وجوب الترتيب تعارض ظواهر الآثار في ذلك والأقيسة، وذلك أن ظاهر حديث الأعرابي المتقدم يوجب أنها على الترتيب إذ سأله النبي عليه الصلاة والسلام عن الاستطاعة عليها مرتبا.

وظاهر ما رواه مالك من أن رجلا أفطر في رمضان فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا أنها على التخيير أو إنما تقتضي في لسان العرب التخيير وإن كان ذلك من لفظ الراوي الصاحب إذ كانوا هم أقعد بمفهوم الأحوال ودلالات الأقوال وأما الأقيسة المعارضة في ذلك فتشبيهها تارة بكفارة الظهار وتارة بكفارة اليمين لكنها أشبه بكفارة الظهار منها بكفارة اليمين.

وأخذ الترتيب من حكاية لفظ الراوي وأما استحباب الابتداء بالإطعام فمخالف لظواهر الآثار. وإنما ذهب إلى هذا من طريق القياس لأنه رأى الصيام قد وقع بدله الإطعام في مواضع شتى من الشرع وأنه مناسب له أكثر من غيره، بدليل قراءة من قرأ"وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين"ولذلك استحب هو وجماعة من العلماء لمن مات وعليه صوم أن يكفر بالإطعام عنه وهذا كأنه من باب ترجيح القياس الذي تشهد له الأصول على الأثر الذي لا تشهد له الأصول) [1]

القياس يقوي الخبر ويرجحه:

يعتبر اقتران القياس مع الأثر لإثبات نفس الحكم، مما يقوي الأثر في معارضة أثر آخر مساو له، وقد ورد في مسألة تحديد محل مسح الخف قول ابن رشد قوله): وسبب اختلافهم تعارض الآثار الواردة في ذلك وتشبيه المسح بالغسل [2] فإذا تساوت الآثار في قوتها وكان القياس موافقا لبعضها رجحت التي يعضدها القياس.

ومثاله أيضا، قول ابن رشد في مسألة الاستحاضة (وذلك أن حديث فاطمة بنت أبي حبيش هذا هو متفق على صحته ويختلف في هذه الزيادة فيه أعني الأمر بالوضوء لكل صلاة ولكن صححها أبو عمر بن عبد البر قياسا على من يغلبه الدم من جرح ولا ينقطع. مثل ما روي أن عمر رضي الله عنه صلى وجرحه يثغب دما) [3]

(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 223

(2) بداية المجتهد ج: 1 ص 14

(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 25

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت