وأن من شروط العلة أن تكون متعدية، يقول: (أما الجمع في الحضر للمريض فإن مالكا أباحه له إذا خاف أن يغمى عليه أو كان به بطن ومنع ذلك الشافعي والسبب في اختلافهم هو اختلافهم في تعدي علة الجمع في السفر أعني المشقة فمن طرد العلة رأى أن هذا من باب الأولى والأحرى وذلك أن المشقة على المريض في إفراد الصلوات أشد منها على المسافر من لم يعد هذه العلة وجعلها كما يقولون قاصرة أي خاصة بذلك الحكم دون غيره لم يجز ذلك) [1]
وقوله: (أما اختلافهم في جواز الوصية بأكثر من الثلث لمن لا وارث له فإن مالكا لا يجيز ذلك والأوزاعي واختلف فيه قول أحمد وأجاز ذلك أبو حنيفة وإسحاق وهو قول ابن مسعود وسبب الخلاف هل هذا الحكم خاص بالعلة التي علله بها الشارع أم ليس بخاص وهو أن لا يترك ورثته عالة يتكففون الناس كما قال عليه الصلاة والسلام إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس فمن جعل هذا السبب خاصا وجب أن يرتفع الحكم بارتفاع هذه العلة ومن جعل الحكم عبادة وإن كان قد علل بعلة أو جعل جميع المسلمين في هذا المعنى بمنزلة الورثة قال لا تجوز الوصية بإطلاق بأكثر من الثلث) [2]
وقوله: (اختلافهم في تعدي علة الجمع في السفر أعني المشقة فمن طرد العلة رأى أن هذا من باب الأولى والأحرى وذلك أن المشقة على المريض في إفراد الصلوات أشد منها على المسافر ولم يعد هذه العلة وجعلها كما يقولون قاصرة أي خاصة بذلك الحكم دون غيره لم يجز ذلك) [3]
وأن العلة القاصرة هي التي لا توجد في غير الأصل، يقول ابن رشد (وأما العلة عندهم في منع التفاضل في الذهب والفضة فهو الصنف الواحد أيضا مع كونهما رؤوسا للأثمان وقيما للمتلفات وهذه العلة هي التي تعرف عندهم بالقاصرة لأنها ليست موجودة عندهم في غير الذهب والفضة) [4]
وأن العلة ينبغي أن تكون مناسبة للحكم:
مثل قول من أوجب الكفارة بالإفطار بالأكل والشرب متعمدا قياسا على المجامع: (فإن مالكا وأصحابه وأبا حنيفة وأصحابه والثوري وجماعة ذهبوا إلى أن من أفطر متعمدا بأكل أو شرب أن عليه القضاء والكفارة المذكورة في هذا الحديث وذهب الشافعي وأحمد وأهل الظاهر إلى أن الكفارة إنما تلزم في الإفطار من الجماع فقط والسبب في اختلافهم اختلافهم في جواز قياس المفطر بالأكل والشرب على المفطر بالجماع.
فمن رأى أن شبههما فيه واحد وهو انتهاك حرمة الصوم جعل حكمهما واحدا ومن رأى أنه وإن كانت الكفارة عقابا لانتهاك الحرمة فإنها أشد مناسبة للجماع منها لغيره وذلك أن العقاب المقصود به الردع والعقاب الأكبر قد يوضع لما إليه النفس أميل وهو لها أغلب من الجنايات وإن كانت الجناية متقاربة إذ كان المقصود من ذلك التزام الناس الشرائع وأن يكونوا أخيارا عدولا كما قال تعالى:"كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"قال هذه الكفارة المغلظة خاصة بالجماع [5]
وكثيرا ما يقدم نماذج من العلل:
مثل قوله في شأن من لم يجز كراء الأرض: ويشبه أن يقال في هذا المعنى في ذلك قصد الرفق بالناس لكثرة وجود الأرض كما نهى عن بيع الماء ووجه الشبه بينهما أنهما أصلا الخلقة [6]
وقوله أيضا: ومن قال يرفع في كل تكبير شبه التكبير الثاني بالأول لأنه كله يفعل في حال القيام والاستواء [7]
ومن ذلك أيضا قوله: وقد احتج أبو بكر بن المنذر لهذا الحديث بانعقاد الإجماع على وجوب الفطر والإمساك عن الأكل بقول واحد. فوجب أن يكون الأمر كذلك في دخول الشهر وخروجه إذ كلاهما علامة تفصل زمان الفطر من زمان الصوم [8] وقوله: تشبيههم الاعتكاف بالحج في أن كليهما عبادة مانعة لكثير من المباحات [9]
ويشير إلى بعض القواعد التي تهم العلة مثل قوله: (وما حرم لعلة أخف مما حرم لعينه وما هو محرم لعينه أغلظ) [10] وأشار أيضا إلى أن العلة متى ثبتت في الأصل وكانت متعدية وجب أن تطرد في جنس الأصل، حيث قال: (وكأن العلة الموجبة للقتل عنده إنما هي للكفر فوجب أن تطرد هذه العلة في جميع الكفار) [11]
4 -الحكم:
عرفه ابن رشد في غير مجال القياس بقوله: (حد الحكم عند أهل السنة فهو عبارة عن خطاب الشرع إذا تعلق بأفعال المكلفين بطلب أو ترك فإذا لم يرد هذا الخطاب لم تتعلق بالأفعال صفة تحسين أو تقبيح) [12]
ومما أشار فيه إلى الحكم تردده بحسب الأصل الذي يرد إليه الفرع في مثل قوله: (أما سبب اختلاف من اشترط حكم الحاكم أو لم يشترطه فتردد هذا الحكم بين
(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 127
(2) بداية المجتهد ج: 2 ص: 252
(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 126
(4) بداية المجتهد ج: 2 ص: 97
(5) بداية المجتهد ج: 1 ص: 221
(6) بداية المجتهد ج: 2 ص: 167
(7) بداية المجتهد ج: 1 ص: 171
(8) بداية المجتهد ج: 1 ص: 210
(9) بداية المجتهد ج: 1 ص: 232
(10) بداية المجتهد ج: 1 ص: 242
(11) بداية المجتهد ج: 1 ص: 281
(12) الضروري: ص: 41