فهرس الكتاب

الصفحة 705 من 979

مستنبطين عن الشرع، بل هم شارعون) [1] وقال في القياس المناسب الملائم (وهنا انتهى كثير من القائلين بالقياس) [2] في إشارة إلى ضعف ما دونه من المراتب. وقال في قياس الشبه في المثال الذي ساقه (فإن قوما قالوا أراد بذلك المقتات، وقوما قالوا المطعوم، قوما قالوا المكيل. وهذا كله ظن منهم، فإن الاقتيات أو الكيل أو الطعم صفة حاصرة للأمر المناسب الموجب للتحريم، وهي بالجملة فيما يظهر لي أبعد قرينة يصار إليها إلى أن يفهم عن اللفظ الجزئي المعنى الكلي) [3]

فمن خلال ما رأينا في مفهوم القياس ميز ابن رشد بين القياس العقلي والقياس الشرعي، وكأنه ينزع من الظاهرية الورقة القوية التي تلوح بها في وجه الجمهور، ويعتبر معظم انتقادهم للرأي وارد في غير موضوع، ويتفق معهم (أن ما سبيل المعرفة به الوحي والأمر من الله فإنه ليس للعقول في إثبات شيء من ذلك أوإبطاله مدخل، وأيضا فإن الأحكام ليست صفات ذوات فتدركها العقول. وبالجملة كل ما طريقه التوقيف لا مدخل للقياس فيه، وإنما طريق المعرفة به السمع) [4]

ثم يبين أن هذه الحجة القوية يمكن أن تهدم فقط شكلا من أشكال القياس وليس القياس كله، وهو ما ليس في لفظه قط تنبيه على الأصل كقياس حد الخمر على

(1) الضروري: ص: 128 وهو نفس الموقف الذي احتفظ به في"البداية"رغم مرور عدة سنوات على تأليفه"الضروري"يقول: (وقال قوم بل يزكي ثمنه الذي ابتاعه به لا قيمته وإنما لم يوجب الجمهور على المدير شيئا لأن الحول إنما يشترط في عين المال لا في نوعه وأما مالك فشبه النوع ههنا بالعين لئلا تسقط الزكاة رأسا عن المدير وهذا هو بأن يكون شرعا زائدا أشبه منه بأن يكون شرعا مستنبطا من شرع ثابت ومثل هذا هو الذي يعرفونه بالقياس المرسل وهو الذي لا يستند إلى أصل منصوص عليه في الشرع إلا ما يعقل من المصلحة الشرعية فيه (بداية المجتهد ج: 1 ص: 197

(2) الضروري: ص: 128

(3) الضروري: ص: 129 وقد ضعف هذا النوع من القياس في كثير من المواطن في"البداية"من مثل:

ما ذكره في اختلاف العلماء حول العمل في حال موت الرجل بين غير المحارم من النساء، وموت المرأة بين غير المحارم من الرجال حيث يقول:(وسبب اختلافهم هو الترجيح بين تغليب النهي على الأمر أو الأمر على النهي وذلك أن الغسل مأمور به ونظر الرجل إلى بدن المرأة والمرأة إلى بدن الرجل منهي عنه فمن غلب النهي تغليبا مطلقا أعني لم يقس الميت على الحي في كون الطهارة التراب له بدلا من طهارة الماء عند تعذرها قال لا يغسل كل واحد منهما صاحبه ولا ييممه ومن غلب الأمر على النهي قال يغسل كل واحد منهما صاحبه أعني غلب الأمر على النهي تغليبا مطلقا.

ومن ذهب إلى التيمم فلأنه رأى أنه لا يلحق الأمر والنهي في ذلك تعارض وذلك أن النظر إلى مواضع التيمم يجوز لكلا الصنفين ولذلك رأى مالك أن ييمم الرجل المرأة في يديها ووجهها فقط لكون ذلك منها ليسا بعورة وأن تيمم المرأة الرجل إلى المرفقين لأنه ليس من الرجل عورة إلا من السرة إلى الركبة على مذهبه. فكأن الضرورة التي نقلت الميت من الغسل إلى التيمم عند من قال به هي تعارض الأمر والنهي، فكانه شبه هذه الضرورة بالضرورة التي يجوز فيها للحي التيمم، وهو تشبيه فيه بعد، ولكن عليه الجمهور)بداية المجتهد ج: 1 ص: 165 - 166

وكذلك قوله: (وأجمعوا من هذا الباب على جواز غسل المرأة زوجها واختلفوا في جواز غسله إياها فالجمهور على جواز ذلك وقال أبو حنيفة لا يجوز غسل الرجل زوجته وسبب اختلافهم هو تشبيه الموت بالطلاق فمن شبهه بالطلاق قال لا يحل أن ينظر إليها بعد الموت ومن لم يشبهه بالطلاق وهم الجمهور قال إن ما يحل له من النظر إليها قبل الموت يحل له بعد الموت وإنما دعا أبا حنيفة أن يشبه الموت بالطلاق لأنه رأى أنه إذا ماتت إحدى الأختين حل له نكاح الأخرى كالحال فيها إذا طلقت وهذا فيه بعد فإن علة منع الجمع مرتفعة بين الحي والميت لذلك حلت إلا أن يقال إن علة منع الجمع غير معقولة وأن منع الجمع بين الأختين عبادة محضة غير معقولة المعنى فيقوى حينئذ مذهب أبي حنيفة) بداية المجتهد ج: 1 ص: 166

(4) الضروري: ص: 131

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت