وقد سلك ابن رشد في الدفاع عن مشروعية القياس أمام الهجمة الشرسة للظاهرية وخصوصا في نسختها الحزمية [1] مسلكا مغايرا-في نظري-لمن سبقه في هذه المواجهة، وذلك باعتماده المنهج التالي:
(1) خلاصة كلام ابن حزم في رد القياس:
-أنه لا يحل لأحد الحكم بالرأي:
لقوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) وأنه تعالى أمر بالرد عند التنازع والاختلاف (إلى الله والرسول) وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذم الإفتاء بالرأي وأنه منهج الجهال وطريق الضلال وأن عددا من الصحابة ذموا ذلك كعبد الله بن عمرو بن العاص وعمر بن الخطاب وعلى بن أبي طالب رضي الله عنهم، وضعف حديث معاذ الذي فيه (أجتهد رأيي ولا آلو) وأبطل معناه وقال حتى (ولو صح لما خلا ذلك من أن يكون خاصا لمعاذ لأمر علمه منه رسول الله صلى الله عليه وسلم) . وحكم على رسالة عمر التي ورد فيها القياس بالوضع. وأيضا فانه لا يخلو الرأي من أن يكون محتاجا إليه فيما جاء فيه النص وهذا مالا يقوله أحد، وان كان إنما يحتاج إليه فيما لا نص فيه فهذا باطل لقول الله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) وما في معناها والدين قد كمل. ومن شرع في هذا شيئا قد شرع في الدين ما لم يأذن به الله. وإن وجد عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم بالرأي تصحيحا لقول بالرأي وجد عنه التبري منه.
-لا يحل الحكم بالقياس في الدين
وتبعا للقول ببطلان الرأي لا يحل الحكم بالقياس في الدين، والقول به باطل مقطوع على بطلانه عند الله تعالى. ثم رد ما ذكره أنصار القياس من قوله الله تعالى: (فاعتبروا يا أولي الأبصار) بأنه ليس معنى اعتبروا في لغة العرب قيسوا ولا عرف ذلك أحد من أهل اللغة وإنما معنى اعتبروا تعجبوا واتعظوا، وحتى لو كان معنى اعتبروا قيسوا ولم يحتمل معنى غيره لما كان في ذلك إيجاب ما يدعى من القياس.
لأنه يكون حينئذ من المجمل الذي لا يفهم من نصه المراد به حتى يأتي بيان النبي صلى الله عليه وسلم، وإذ لم يأت بذلك كله بيان علم بيقين أن الله تعالى لم يكلفنا ما لا ندري كيف هو ولا ما هو ولا كلفنا البناء على أقوال مختلفة لا يقوم بشيء منها دليل، فوضح أنه لم يرد تعالى قط بهذه الآية القياس بيقين لا شك فيه،
وأما جزاء الصيد فلا مدخل فيه للقياس أصلا لأنه إنما أمر الله تعالى من قتل صيدا متعمدا وهو حرام أن يجزيه بمثله من النعم لا بالصيد،
وأما"كذلك الخروج"فإبطال للقياس بلا شك لأن إخراج الموتى مرة في الأبد يثمر خلودا في النار أو الجنة وإخراج النبات من الأرض يكون كل عام. وكل ما ذكروا من هذا وغيره لا يجوز أن يؤخذ منه تحريم بيع التين بالتين متفاضلا وإلى أجل.
-الإنسان لا يعلم شيئا من الشرع إلا ما علمه الله وأنه محرم عليه القول في الدين بغير علم:
ومن البراهين التي يضيفها في إبطال القياس قوله تعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا) وما في معناها، ويذكر أن الله تعالى حرم أن نقول عليه ما لا نعلم وما لم يعلمنا فلما لم نجد الله علمنا القياس في كتابه علمنا أنه باطل لا يحل القول به في الدين.
-لا سبيل للقول بالعلل إلا غلبة الظن أو الكذب على الشارع:
وأيضا فان القياس عند أهله إنما هو أن تحكم لشيء بالحكم في مثله لاتفاقهما في العلة الموجبة للحكم أو لمشبهه به في بعض صفاته في قول البعض فيقال هذه العلة التي تدعى وتجعل علة التحريم أو التحليل أو الإيجاب من أخبر بأنها علة الحكم ومن جعلها علة الحكم فان قيل أن الله تعالى جعلها علة الحكم كان كذبا على الله عز وجل إلا أن يكون نص منه تعالى في القرآن أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها علة الحكم وهذا مالا يوجد فان قيل هي من تشريعهم فقد شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله تعالى وهذا حرام بنص القرآن.
وان قالوا إنها علة لغالب الظن قيل لهم فعلتم ما حرم الله تعالى عليكم إذ يقول (إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا)
ثم إن عللهم مختلفة فمن أين لهم بأن هذه العلة هي مراد الله تعالى منا دون أن ينص لفاعلها وهو تعالى قد حرم علينا القول بغير علم والقول بالظن وكذلك يقال لهم في قياسهم الشيء لشبهه به.
ويزيدهم القول عن الشبه أيكون في جميع الصفات أم في بعضها دون بعض فان قيل في جميع الصفات فهذا باطل لأنه ليس في العالم شيئان يتشابهان في جميع صفاتهما وان قيل في بعض صفاتهما قلنا من أين قلتم هذا وما الفرق بينكم وبين من قصد إلى الصفات التي قسمتم عليها وقصد إلى الصفات التي لم تقيسوا عليها فقاس هو عليها
ويقال ما الفرق بينكم وبين من قال افرق بين حكم الشيئين ولا بد من افتراقهما في بعض الصفات وهذا مالا محيص لهم منه البتة
فان قيل إن العقول تقتضي أن يحكم للشيء بحكم نظيره قيل أما نظيره في النوعية أو الجنس فنعم وأما في ما اقتحموه بآرائهم مما لا برهان لهم انه مراد الله تعالى فلا، وهكذا نقول في الشريعة لأنه إذا حكم الله عز وجل في البر كان ذلك في كل بر وإذا حكم في الزاني كان ذلك في كل زان وهكذا في كل شيء وإلا فما قضت العقول قط ولا الشريعة في أن للتين حكم البر ولا للجوز حكم التمر بل هذا هو الحكم للشيء بحكم الجسم أو حكم للإنسان بحكم الحمار فقد اخطأ لكن إذا وجب في الجسم الكلى حكم كان ذلك في كل جسم وإذا حكم إنسان بحكم كان ذلك في كل إنسان وما عرف العقل قط غير هذا.
وبخصوص المستجدات والوقائع اللا متناهية، فالشريعة إما فرض وإما حرام وإما حلال وإما تطوع مندوب إليه وإما مباح مطلق فوجدنا الله تعالى قد قال: (خلق لكم ما في الأرض جميعا) وقال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) وقال تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال:"ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فاتركوه"
فصح به إذا النص أن ما أمرنا الله تعالى به أو إجماع بأنه ندب أو خاص أو منسوخ وما نص الله تعالى بالنهي عنه أو رسوله صلى الله عليه وسلم فهو حرام إلا أن يأتي نص أو إجماع انه مكروه أو خاص أو منسوخ وما لم يأت به أمر ولا نهي فهو مباح وعفو وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم قوله:"وسكت عن أشياء فهي عفو"
وإذا نص النبي صلى الله عليه وسلم على أن حكم كذا في أمر كذا لم يجز أن يتعدى بذلك الحكم ذلك الشيء المحكوم فيه فمن خالف ذلك فقد تعدى حدود الله ولا يحل القول بدليل الخطاب وهو أن يقول القائل إذا جاء نص من الله تعالى أو رسوله عليه السلام على صفة أو حال أو زمان أو مكان وجب أن يكون غيره يخالفه كنصه عليه السلام على السائمة فوجب أن يكون غيره يخالفه بخلاف السائمة في الزكاة.
وإنما الحق أن تؤخذ الأوامر كما وردت وان لا يحكم لما ليس فيها بمثل حكمها لكن يطلب الحكم في ذلك من نص آخر فلم يفرط الله تعالى في الكتاب شيئا ولا يخص من النص شيء إلا بنص آخر أو إجماع ولا يضاف إليه ما ليس فيه نص آخر أو إجماع فهذه هي طاعة الله تعالى والأمان من معصيته والحجة القائمة لنا يوم القيامة. (بتصرف وتلخيص من كتاب"النبذة الكافية في أصول الفقه لابن حزم الصفحات(59 - 70) "