حكم عن أصل أصل وكيفية إعمالها (أن النظر الخاص بها(أي صناعة أصول الفقه) إنما هو في الجزء الثالث من هذا الكتاب، لأن الأجزاء الأخرى من جنس المعرفة التي غايتها العمل، ولذلك لقبوا هذه الصناعة باسم بعض ما جعلوه جزءا لها، فدعوها بأصول الفقه) [1] ورأيه في ذلك قريب من الحقيقة التي أشار إليها الجويني في"البرهان": (اعلم أن معظم الكلام في الأصول يتعلق بالألفاظ والمعاني أما المعاني فستأتي في كتاب القياس إن شاء الله تعالى) [2]
فالقياس عند ابن رشد وإن لم يحتل عنده مرتبة أصل الأصول كالكتاب والسنة فهو في معظمه لازم عن الأصل، وهي الفكرة التي سيبلورها بعد بشكل أكثر وضوحا الشريف التلمساني (ت771هـ) عندما تحدث عن ما يتمسك به المستدل على حكم من الأحكام في المسائل الفقهية فحصره في جنسين: دليل بنفسه، ومتضمن للدليل. وجعل الدليل بنفسه نوعين: أصل بنفسه ولازم عن الأصل وهو القياس. أما الأصل بنفسه فعنده صنفان: أصل نقلي: أي الكتاب والسنة، وأصل عقلي وهو الاستصحاب. أما المتضمن للدليل فهو الإجماع وقول الصحابي. [3]
فالقياس دليل بنفسه غير أنه لازم عن الكتاب والسنة وليس أصلا مستقلا بذاته كما أنه ليس موضعا للندية لهما بل هو صادر عنهما وأثر من إعمالهما ولا معنى له من دون كلام الله - عز وجل - وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وقيمته وقوته في القرب منهما وتحقيق مقاصدهما.
مشروعية القياس:
يذكر ابن رشد من أسباب اختلاف الفقهاء وخصوصا بين الجمهور وأهل الظاهر ومن قال بقولهم الاختلاف في مشروعية استعمال القياس، يقول في حديثه عن المتعمد ترك صلاته:(وأما تاركها عمدا حتى يخرج الوقت فإن الجمهور على أنه آثم وأن القضاء عليه واجب وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه لا يقضي وأنه آثم وأحد من ذهب إلى ذلك أبو محمد بن حزم وسبب اختلافهم اختلافهم في شيئين أحدهما في جواز القياس في الشرع.
والثاني في قياس العامد على الناسي إذا سلم جواز القياس فمن رأى أنه إذا وجب القضاء على الناسي الذي قد عذره الشرع في أشياء كثيرة فالمتعمد أحرى أن يجب عليه لأنه غير معذور أوجب القضاء عليه) [4]
وقال في موضع آخر في حكم من ترك شيئا من سنن الحج: (وأما أهل الظاهر فإنهم لا يرون دما إلا حيث ورد النص لتركهم القياس وبخاصة في العبادات) [5]
وقال في مقدمة"البداية": (وقال أهل الظاهر: القياس في الشرع باطل. وما سكت عنه الشارع فلا حكم له) [6]
(1) الضروري: ص: 36
(2) البرهان: ج: 1 ص: 130
(3) أبو عبد الله محمد بن أحمد المالكي الشريف التلمساني (ت771هـ) "مفتاح الوصول في علم الأصول"ص: 6 - 7
(4) بداية المجتهد ج: 1 ص: 132
(5) بداية المجتهد ج: 1 ص: 272 - 273
(6) بداية المجتهد ج: 1 ص: 1