لا. وهذه فلنسمها سبارا وقانونا, فإن نسبتها إلى الذهن كنسبة البركار والمسطرة إلى الحس في مالا يؤمن أن يغلط فيه) [1]
فابن رشد بداية يميز داخل (علم أصول الفقه) الذي جرى العلماء على النظر إليه وحدة متجانسة، بين ما يقصد به العمل من معرفة القرآن والسنة والإجماع، والثمار الحاصلة عن هذه المعرفة بالوقوف على الأحكام التكليفية، وما يعتبر وسيلة لهذا المقصد من علم بدلائل الألفاظ واستعمال القياس.
فالقياس لا يدخل بهذا المعنى في"الأصول"المتعارف عليها عند كثير من الأصوليين وخصوصا منهم المتقدمين جدا [2] غير أنه مع ذلك يعتبر القياس عند ابن رشد مع دلالة الألفاظ أحق أن ينسحب عليه"علم الأصول"حيث يقول فيه: (هو الذي النظر فيه أخص بهذا العلم) [3] وأوضح في مقدمة"الضروري"عندما ذكر أجزاء الكتاب ومنها الجزء الثالث الذي أفرده للأدلة المستعملة في استنباط حكم
(1) "الضروري"ص: 35
(2) فالمتقدمون بدءا من الشافعي لم يكن القياس عندهم من الأصول بمعنى ما يبنى عليه غيره، يقول الشافعي: (لا أعلم أحدا من أهل العلم رخص لأحد من أهل العقول والآداب في أن يفتى ولا يحكم برأي نفسه إذا لم يكن عالما بالذي تدور عليه أمور القياس من الكتاب والسنة والإجماع والعقل لتفصيل المشتبه( ... ) فما حجتكم في علمكم بالأصول إذا قلتم بلا أصل ولا قياس على أصل) الأم: ج: 7 ص: 300 وفي موضع قريب من هذا (وإن كان عاقلا للقياس وهو مضيع لعلم الأصول أو شيء منها لم يجز أن يقال له قس على ما لا تعلم) الأم: ج: 7 ص: 302 ويقول ابن حزم (وما علمنا في الدين أصولا إلا القرآن وبيانه مما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم) المحلى: ج: 9 ص: 347
ويقول الشيرازي: (وأما أصحاب أبي حنيفة رحمه الله فإنهم إن أرادوا بالأصول القياس على ما ثبت بالأصول فهو الذي قاله أصحاب مالك وقد دللنا على فساده وإن أرادوا نفس الأصول التي هي الكتاب والسنة والاجماع فليس معهم في المسائل التي ردوا فيها خبر الواحد كتاب ولا سنة ولا إجماع فسقط ما قالوه) - أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي (ت 476) "اللمع في أصول الفقه": ج: 1 ص: 74 - دار الكتب العلمية- بيروت- 1405هـ , 1985م- الطبعة:: الأولى-عدد الأجزاء: 1 وحتى بعض المتأخرين كانوا يستدركون عندما يدمجون القياس ضمن الأصول، يقول ابن حجر: (الأصول الكتاب والسنة والإجماع والقياس والكتاب والسنة في الحقيقة هما الأصل والآخران مردودان إليهما فالسنة أصل والقياس فرع) 1 فتح الباري: ج: 4 ص: 366
وجاء في مدخل ابن بدران:
(إن الدليل الشرعي أي الذي طريق معرفته الشرع إما أن يرد من جهة الرسول أو لا من جهته فإن ورد من جهة الرسول فهو إما من قبيل ما يتلى وهو الكتاب أو لا وهو السنة وإن ورد لا من جهة الرسول فإما أن تشترط فيه عصمة من صدر عنه أو لا والأول الإجماع والثاني إن كان حمل معلوم على معلوم بجامع مشترك فهو القياس وإلا فهو الاستدلال فالثلاثة الأول وهي الكتاب والسنة والإجماع نقلية والآخران معنويان والنقلي أصل للمعنوي والكتاب أصل للكل.
فالأدلة إذن خمسة الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال) -عبد القادر بن بدران الدمشقي (ت 1346) "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل"ج: 1 ص: 195 - تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي مؤسسة الرسالة- بيروت- 1401 - الطبعة: الثانية-عدد الأجزاء: 1ولعل اللبس أحيانا قد يأتي من عدم التدقيق في الفرق بين الأصل والدليل أو بين الأصل وما يفيد العلم يقول الشافعي: (( وجهة العلم الخبر في الكتاب أوالسنة أو الإجماع أوالقياس) الرسالة: ص: 39
وقد حاول الفقيه الأصولي المالكي الشريف التلمساني ملامسة هذا التمييز عندما قال في مقدمة"مفتاح الوصول في علم الأصول": (اعلم أن ما يتمسك به المستدل على حكم من الأحكام في المسائل الفقهية منحصر في جنسين: دليل بنفسه ومتضمن للدليل(ويقصد يهذا الأخير الإجماع وقول الصحابي) الجنس الأول الدليل بنفسه وهو يتنوع نوعين: أصل بنفسه ولازم عن الأصل (ويقصد به القياس) النوع الأول: أصل بنفسه وهو صنفان: أصل نقلي (أي الكتاب والسنة) وأصل عقلي (ويقصد به الاستصحاب) ص: 6 - 7
(3) الضروري: ص: 101