قال ابن رشد: (وعلى هذا فتكون هذه الآية محكمة وتكون فيمن صلى فانكشف له أنه صلى لغير القبلة والجمهور على أنها منسوخة بقوله تعالى:(ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام) فمن لم يصح عنده هذا الأثر قاس ميقات الجهة على ميقات الزمان ومن ذهب مذهب الأثر لم تبطل صلاته) [1]
ومن العلماء من أجاز الصلاة في كل موضع لا تكون فيه نجاسة، ومنهم من استثنى من ذلك سبعة مواضع: المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق والحمام ومعاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله ومنهم من استثنى من ذلك المقبرة فقط ومنهم من استثنى المقبرة والحمام ومنهم من كره الصلاة في هذه المواضع المنهي عنها ولم يبطلها وهو أحد ما روي عن مالك، ولورود أحاديث في ذلك ظاهرها التعارض.
قال ابن رشد: (فذهب الناس في هذه الأحاديث ثلاثة مذاهب أحدها مذهب الترجيح والنسخ والثاني مذهب البناء أعني بناء الخاص على العام والثالث مذهب الجمع فأما من ذهب مذهب الترجيح والنسخ فأخذ بالحديث المشهور وهو قوله عليه الصلاة والسلام جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وقال هذا ناسخ لغيره لأن هذه هي فضائل له عليه الصلاة والسلام وذلك مما لا يجوز نسخه) [2]
وفي شأن حكم الكلام الذي يصلح الصلاة والذي يرى الجمهور جوازه قال ابن رشد: (وأما أبو حنيفة فحمل أحاديث النهي على عمومها ورأى أنها ناسخة لحديث ذي اليدين وأنه متقدم عليها) [3]
اختلف العلماء إذا كان المأموم صحيحا فصلى خلف إمام مريض يصلي قاعدا، وقد أورد ابن رشد حديثين في الموضوع وقال: (فذهب الناس في هذين الحديثين مذهبين: مذهب النسخ ومذهب الترجيح، فأما من ذهب مذهب النسخ فإنهم قالوا إن ظاهر حديث عائشة وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يؤم الناس وأن أبا بكر كان مسمعا لأنه لا يجوز أن يكون إمامان في صلاة واحدة وإن الناس كانوا قياما وإن النبي عليه الصلاة والسلام كان جالسا فوجب أن يكون هذا من فعله عليه الصلاة والسلام إذ كان آخر فعله ناسخا لقوله وفعله المتقدم، وأما من ذهب مذهب الترجيح فإنهم رجحوا حديث أنس بأن قالوا إن هذا الحديث قد اضطربت الرواية عن عائشة فيه فيمن كان الإمام هل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أبو بكر وأما مالك فليس له مستند من السماع لأن كلا الحديثين اتفقا على جواز إمامة القاعد) [4]
اختلف العلماء في جواز صلاة الخوف بعد النبي عليه الصلاة والسلام وفي صفتها فأكثر العلماء على أن صلاة الخوف جائزة (وقد ذهبت طائفة من فقهاء الشام إلى أن صلاة الخوف تؤخر عن وقت الخوف إلى وقت الأمن كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق والجمهور على أن ذلك الفعل يوم الخندق كان قبل نزول صلاة الخوف وأنه منسوخ بها) [5]
وفي قضاء الصلاة، قال ابن رشد: (وإنما صار الجميع إلى استحسان الترتيب في المنسيات إذا لم يخف فوات الحاضرة لصلاته عليه الصلاة والسلام الصلوات الخمس يوم الخندق مرتبة وقد احتج بهذا من أوجب القضاء على العامد ولا معنى لهذا فإن هذا منسوخ وأيضا فإنه كان تركا لعذر) [6]
وفي الجنائز قال ابن رشد: (وأكثر العلماء على أن القيام إلى الجنازة منسوخ بما روى مالك من حديث علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الجنائز ثم جلس( ... ) واختلف الذين رأوا أن القيام منسوخ في القيام على القبر في وقت الدفن فبعضهم رأى أنه لم يدخل تحت النهي وبعضهم رأى أنه داخل تحت النهي على ظاهر اللفظ ومن أخرجه من ذلك احتج بفعل علي في ذلك وذلك أنه روى النسخ وقام على قبر ابن المكفف فقيل له ألا تجلس يا أمير المؤمنين فقال قليل لأخينا قيامنا على قبره) [7]
وفي عدد تكبيرات صلاة الجنازة ذهب الجمهور على أنها أربع، روى مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال كان زيد بن أرقم يكبر على الجنائز أربعا وأنه كبر على جنازة خمسا فسألناه فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبرها كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبر على الجنائز أربعا وخمسا وستا وسبعا وثمانيا حتى مات النجاشي فصف الناس وراءه وكبر أربعا ثم ثبت صلى الله عليه وسلم على أربع حتى توفاه الله، قال ابن رشد (وهذا فيه حجة لائحة للجمهور) [8]
وفي زكاة الفطر فإن الجمهور (على أنها فرض وذهب بعض المتأخرين من أصحاب مالك إلى أنها سنة وبه قال أهل العراق وقال قوم هي منسوخة بالزكاة) [9]
وفي صوم المريض والمسافر هل يجزيه صومه عن فرضه أم لا فذهب الجمهور إلى إجزائه، قال ابن رشد: (أما الجمهور فيحتجون لمذهبهم بما ثبت من حديث أنس قال سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم وبما ثبت عنه أيضا أنه قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافرون فيصوم بعضهم ويفطر بعضهم.
(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 81
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 85
(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 86
(4) بداية المجتهد ج: 1 ص: 110
(5) بداية المجتهد ج: 1 ص: 127
(6) بداية المجتهد ج: 1 ص: 134
(7) بداية المجتهد ج: 1 ص: 170
(8) بداية المجتهد ج: 1 ص: 171
(9) بداية المجتهد ج: 1 ص: 203