فهرس الكتاب

الصفحة 410 من 979

ذلك. وقد ذكرنا نصا عن أحمد ههنا بالرجوع إلى حواز القلوب، وإنما ذم أحمد وغيره المتكلمين على الوساوس والخطرات من الصوفية حيث كان كلامهم في ذلك لا يستند إلى دليل شرعي بل إلى مجرد رأي وذوق.

كما كان ينكر الكلام في مسائل الحلال والحرام بمجرد الرأي من غير دليل شرعي، فأما الرجوع إلى الأمور المشتبهة إلى حواز القلوب فقد دلت عليه النصوص النبوية وفتاوي الصحابة فكيف ينكره الإمام أحمد بعد ذلك، لا سيما وقد نص على الرجوع إليه موافقة لهم. وقد سبق الحديث إن الصدق طمأنينة والكذب ريبة فالصدق يتميز من الكذب بسكون القلب إليه ومعرفته وبنفوره عن الكذب وإنكاره، كما قال الربيع بن خثيم إن للحديث نورا كنور النهار فيعرف به وللكذب ظلمة كظلمة الليل ينكره) [1]

كما أن أخذ الأحكام من الرؤى مسألة تخص الأنبياء دون غيرهم، يقول ابن حجر: (وأن من الرؤيا ما يقع تعبيره مطابقا وترتب الأحكام على رؤيا الأنبياء) [2] وقريب من ذلك ما يتعلق بالخوارق فهي عند الفقهاء لا تتغير بها الأحكام، ففي قصة فقد النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه الماء وأخذهم إياه من امرأة بما يشبه العوض مع أن الله عز وجل بارك فيه إكراما لرسوله حتى بقي كما كان بعد أخذهم حاجتهم منه، علق ابن حجر بالقول: (إن الخوارق لا تغير الأحكام الشرعية) [3]

والمعول في الاجتهاد أيضا على النظر والاستدلال لا على ما يتوهمه البعض من علاقة ما بذلك بالنسب والشرف وخصوصا في أئمة أهل البيت، يقول الآمدي: (أما اختصاصهم بالشرف والنسب فلا أثر له في الاجتهاد واستنباط الأحكام من مداركها بل المعول في ذلك إنما هو على الأهلية للنظر والاستدلال ومعرفة المدارك الشرعية وكيفية استثمار الأحكام منها، وذلك مما لا يؤثر فيه الشرف ولا قرب القرابة) [4]

مبرر تقديم رأي الفقهاء على النص الصحيح عند المقلدة:

يقول بعض متأخري الحنفية: (أقول بإجمال يقنع به عن التفصيل، وهو بعد تسليم صحة الحديث حملوه على المسلم الكامل والأمة الكاملة وهو الذي يقتضيه قاعدة انصراف المطلق إلى الكمال. ولا شك أن الأمة الكاملة وهم المجتهدون على منع وخلاف في كل ذلك، ولذا كان دليل المقلد هو قول المجتهد لا النصوص إذ استخرج الأحكام منها ليس إلا منصب المجتهد وقد قالوا إذا تعارض النص وقول الفقهاء يؤخذ بقول الفقهاء إذ يحتمل كون النص اجتهاديا وله معارض قوي وتأويل وتخصيص وناسخ وغيرها مما يختص بمعرفته المجتهد. ) [5]

(1) جامع العلوم والحكم ج: 1 ص: 255

(2) فتح الباري ج: 4 ص: 259

(3) فتح الباري ج: 1 ص: 454

(4) الإحكام للآمدي ج: 1 ص: 308

(5) محمد بن المصطفى الخادمي الحنفي (ت1168هـ) "بريقة محمودية"ج 1 ص 64

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت