والقوة. قال تعالى: {إن خير من استأجرت القوي الأمين} (القصص: 26) وقال تعالى: {قال اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم} (يوسف: 55)
لا بد لمن يندب نفسه لهذا الأمر العظيم من الأمانة والأخلاق الفاضلة وعنصر الإخلاص والنزاهة والحرص على التقوى والعبادة والتواضع لله تعالى.
فالعلم الذي يباركه الله تعالى وينفع به لا يحصل إلا بالتقوى، قال تعالى: {اتقوا الله ويعلمكم الله} والإخلاص سبيل الهداية والتوفيق {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} ونستحضر هنا أبياتا تنسب إلى الإمام الشافعي جاء فيها:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي*** فأرشدني إلى ترك المعاصي.
وأخبرني أن علم الله نور***ونور الله لا يهدى العاصي.
فطالب الاجتهاد يحركه العمل في سبيل الله، ثم حب اكتشاف الحق والاستزادة من العلم والمعرفة، والعمل على نشر الحق بين الناس والدعوة إلى تطبيقه في واقع الحياة، ويتحلى بالزهد، فلا تطغى عليه أطماع المادة أو الجاه أو المنصب .. فتقوى الله وإخلاص التوجه إليه يورث هيبة وذكاء في القلب وفراسة قوية ونفاذ بصيرة. وابتغاء ما عند الله أيضا: يورث الشجاعة في قول الحق والجرأة في إبداء الرأي، ويتعرض العبد بالإخلاص لفضل الله ورحمته، بعد إتيان ما يستطيع من أسباب، ليجعله من جنده وخدام دعوته، الذين ينصر بهم الحق ويقمع بهم الباطل.
ويرزقه ملكة الاجتهاد باعتبارها هبة ربانية يوتيها من يستحق من عباده. وبالتقوى يفتح الله له ويجود عليه بكنوزه التي لا تفتد ولا تمنح إلا للقلوب الطاهرة.
وإذا تتبعنا سيرة المجتهدين نجد فيهم هذه الصفات بارزة المعالم، يقول أبو زهرة في الامام مالك: (ولإخلاصه في طلب العلم كان يبتعد عن شواذ الفتيا ولا يفتي إلا بما هو واضح نير .. وكان مالك يقول:(خير الأمور ما كان ضاحيا نيرا، وإن كنت في أمرين أنت منهما في شك فخذ بالذي هو أوثق) [1]
فالإخلاص يضيء الفكر فيسير على خط مستقيم، وقد وهبه الله فراسة قوية عبر عنها الإمام الشافعي، حيث قال: سرت إلى المدينة ولقيت مالكا وسمع كلامي، نظر إلي ساعة ... وكانت له فراسة - ثم قال ما اسمك؟ قلت محمد قال يا محمد اتق الله واجتنب المعاصي فإنه سيكون لك شأن من الشأن) [2] .
وكانت تقوى الله تثمر في قلوبهم تسامحا مع الخلق، فهذا أبو حنيفة رحمه الله كان من دعائه عند وجود من يعارصه أو يبغضه (اللهم من ضاق بنا صدره فإن قلوبنا قد اتسعت له) [3] . وتثمر كذلك أخلاقا عالية، وأهمها ما يحتاجه طلب العلم ورتبة الاجتهاد من صبر وجلد ومعاناة وحرص على التعلم واستمرار فيه مدى الحياة.
(1) تاريخ المذاهب الفقهية ج2/ 194.
(2) المهدي الوافي"الامام مالك وكتابه الموطأ"ص 217"ندوة الامام مالك"ج2.
(3) أبو زهرة تاريخ المذاهب الفقهية ج2/ 143.