المستويات (قال ابن المنذر كانت لمالك حلقة يجالسه فيها فقهاء المدينة) [1] أي خاصة بهم دون غيرهم.
وكانت الدروس يحيطها جو من الوقار والاحترام من طرف الأساتذة والطلبة وعموم الناس وخاصتهم من الحكام وغيرهم فكان مالك رحمه الله يتطيب ويغتسل احتراما لمجلس العلم.
6 -صدق العزيمة وحسن الخلق واقتران العلم بالعمل:
سبق أن رأينا بأن العملية الاجتهادية تحتاج إلى جو فكري تتغذى منه وإلى شيوخ أكفاء يحسنون التوجيه ويتقنون الطرق التربوية الرفيعة وإلى صفات ذاتية وجهود كبيرة ممن له طموح في الاجتهاد، واعتبرنا هذه الأخيرة أصلا وغيرها من الشروط فروعا، ذلك أن ما سبق يمكن أن يكون قسمة بين عدد كبير من الناس سواء في صورته السلبية أو الإيجابية، ولكنهم يختلفون في اغتنام الفرص المتاحة وفي القدرة على تجاوز المعوقات والقفز على الحواجز، فالعوامل الذاتية عوامل أساسية ورئيسية تناسب التصور الاسلامي.
قال تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} والمسلم الصادق ليس إمعة يسير مع التيار بغير روية، إنما يحسن إذا أحسن الناس ويتجنب إساءتهم إذا أساؤوا، والبيئة الصالحة تساعد على الصلاح وليست شرطا فيه، وكذلك الشأن في الجهاد والاجتهاد.
يقول الحجوي الثعالبي بعد أن أفاض القول في يسر الاجتهاد في زماننا وإمكانية تحصيل شروطه:(إنما المفقود أمران: الأول عزيمة الطالب على إدراكها، فإذا عزم، ومرن نفسه على استقلال فكره، وشغله بتدبر كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام وترك التمرن على كلام المتأخرين الجامدين، وجعل بدله التمرن على فهم الكتاب والسنة، وكلام أئمة الاجتهاد مثل مالك وأضرابه كما كان أهل القرون الأولى يفعلون.
إذ كانوا يتمرون على فهم البخاري وتراجمه وأحاديثه، وأحاديث مسلم و"الموطأ"و"الأم"للشافعي، وفقه أبي حنيفة ومسند أحمد، وأمثالهم، فإذا رجعنا لما كان عليه المجتهدون في كيفية تربية ملكاتهم صرنا مجتهدين مثلهم.
الأمر الثاني: رياضة النفوس على الأخلاق الفاضلة وترك السفاسف لتوجد الخصلة العزيزة وهي النزاهة التي تحصل بها الثقة العامة كما كانت حاصلة بالمجتهدين، فالذي فقد أو كاد هو الثقة، وعليه فإنما يعز وجود شرط في الاقتداء لا في الاجتهاد وهو الأمانة التي تنشأ عنها الثقة) [2] .
هذا نص نفيس بين فيه صاحبه رحمه الله تعالى أهم ركن في الاجتهاد، فالأسلحة مهما كانت فعاليتها لا تعمل إلا في أيدي أبطال. وقد لخص شروط الاسلام في تولي أي مسؤولية كانت والتي تتمثل في شروط الحفظ والأمانة وشروط العلم
(1) أبو زهرة تاريخ المذاهب الفقهية ج2/ 290.
(2) الفكر الاسلامي ج2/ 460 - 461.