فهذا الإمام أحمد كانت له رحلات من بغداد إلى البصرة ثم إلى الحجاز والكوفة واليمن ليتلقى الحديث عمن يروي من الأحياء، يأخذ عنهم شفاها ليتثبت من الرواية، فكان يركب متن الصعاب في طلب الحديث وكان يقول: مع المحبرة إلى المقبرة [1] .
وهذا الامام مالك يبذل وقته في الدرس والتحصيل ويجهد جسمه وقواه في السعي إلى العلم وينفق كل ما عنده في سبيل المعرفة. يقول ابن القاسم (أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه) [2] ومما يدل على حرص على طلب العلم وصبره عليه، قوله وهو يحكي زياراته لابن هرمز الذي انقطع إليه: سبع سنين (وكنت أجعل في كفي تمرا وأناوله صبيانه وأقول لهم إن سألكم أحد عن الشيخ فقولوا مشغول ... وكنت آتيه من بكرة فما أخرج من بيته حتى الليل) .
ومن صبره رحمه الله ما نقل من قوله (ترد علي المسألة فلا أنام الليل كله بحثا عن حكمها) [3]
وكان يتلطف للشيوخ ويصبر على حدة بعضهم ويقول: (من طلب هذا الأمر صبر عليه) [4] وقال العلماء عن تحمل الذل في التعلم (ليس من أخلاق المومن التملق إلا في طلب العلم، وقال بعض الحكماء:(من لم يحتمل ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا) [5] . وعموما فالصبر على طلب العلم كان خلقا لعامة العلماء.
فهذا الإمام أبو فرج عبدالرحمن بن الجوزي محدث العراق وواعظ الآفاق، يقول في مذكراته"صيد الخاطر":(كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة، فأخرج في طلب الحديث وأقعد على نهر عيسى في ضواحي بغداد، فلا أقدر على أكلها الا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها.
وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحواله وآدابه، وأحوال الصحابة وتابعيهم، وأثمر عندي من المعاملة ما لا يدرك بالعلم، حتى أنني أذكر في زمان الصبوة ووقت الغلمة والعزبة قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال، لم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي من العلم من خوف الله عز وجل، ولولا خطايا لا يخلو منها بشر، لقد أخاف على نفسي العجب، غير أنه عز وجل صانني وعلمني، وأطلعني من أسرار العلم على معرفته وإيثار الخلوة به) [6]
(1) أبو زهرة تاريخ المذاهب الفقهية ج: 2 ص: 284 - 285.
(2) القاضي عياض"ترتيب المدارك"ج1/ 119.
(3) القاضي عياض"ترتيب المدارك"ج1/ 120.
(4) محمد المختار ولد باه"لمحة عن أصول فقه الإمام مالك"ص74 ندوة الإمام مالك ج: 2
(5) تاريخ المذاهب الفقهيةج2/ 193.
(6) صيد الخاطر ص/20.