والبحث ولو في مستوياته الدنيا مثل القيام بعروض وأبحاث صغيرة يوجد حيوية ونشاطا ويقظة لدى الطالب، ويثير انتباهه واهتمامه ويزيد ثقته بالنفس ..
وبهذه الطرائق جميعا وغيرها يتحول طالب العلوم الشرعية الذي نقصد إلى تربية ملكة الاجتهاد لديه، إلى مشارك فعال ينطلق من دافعية داخلية ذاتية، وهذا لا يعني التقليل من المنهج الإلقائي الذي يبقى له دوره وخصوصا في العلوم الشرعية لتنظيم معلومات الطلبة، وتوجيهها الوجهة السليمة.
وإعطائهم ما يعجزون عن الوصول إليه بجهودهم الذاتية، فإن الدروس الأكادمية والمحاضرات يمكن أن تساهم في تكوين استعدادات البحث في العلوم الشرعية، وتكوين أولى ملكات الاجتهاد إذا ما تم ترك القضايا والمسائل والمشكلات مفتوحة من أجل التفكير المستقل للطالب، وتركت الفرصة للطلبة لطرح بعض المشكلات المتعلقة بالدرس وإفساح المجال لإسهاماتهم في حل بعض المشكلات.
كما أنه من المفيد دفع الطلبة إلى تدريس ما تلقوه لمستويات أدنى منهم أو لطلبة مبتدئين في ذلك العلم، وهو نظام كان يعمل به في الحضارة الاسلامية، مما يؤدي إلى التكوين المبكر للطلبة، والذي يبدو أن الشيوخ كانوا يتعمدون دفع النجباء من الطلبة إلى ذلك إمعانا في تكوينهم ميدانيا مع توفر حد أدنى من شروط ذلك.
فهذا الإمام مالك يتولى إدارة حلقة العلم، وهو دون العشرين من عمره (قال مصعب سمعت مالكا يقول: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك، وفي رواية أخرى حتى قال لي ثلاثون معمما افت فأفتيت وأنا ابن أربع عشر سنة وكان في ذلك الوقت لا يتعمم إلا فقيه) [1] .
والإمام الشوكاني تصدى للتدريس والافتاء وهو ابن عشرين عاما، وكان من منهجه أثناء تلقيه للعلم عندما ينتهي من دراسة كتاب على شيخه، يدرسه بعد ذلك لأقرانه وزملائه، بل ربما اجتمعوا على الأخذ عنه قبل أن يفرغ من قراءة الكتاب على شيخه. ومما كان يساعده على الإتقان تتبع دراسة الكتاب الواحد على عدد من الأساتذة حتى يستفرغ ما عندهم من مادة حول الكتاب، كما فعل"بشرح الأزهار"حيث قرأه على أربعة من العلماء أحدهم والده ... وهذا المنهج مكنه من الاستفادة الكبيرة والإطلاع على مختلف الاتجاهات في طرق التدريس وطرق التفكير [2] .
وكان أسلوب العرض أو القراءة على الشيخ أسلوبا فعالا في التكوين يشرك المتعلم ولو بمستويات دنيا في العملية التعليمية، سواء كانت القراءة من كتاب أو من حفظ الطالب (وقد فضل بعض العلماء العرض على السماع من لفظ الشيخ، منهم أبو حنيفة ومالك) [3] فقد جاء في"ترتيب المدارك"قال مالك لابني المهدي (الخليفة العباسي) بعد أن طلبا منه القراءة عليهما: إن هذا البلد إنما يقرأ فيه على العالم كما
(1) عبد السلام جبران المسفيوى رحمه الله ندوة الإمام مالك"ج: 1 ص: 157"
(2) صالح محمد صغير مقبل"محمد علي الشوكاني وجهوده التربوية"ص 110 - 111.
(3) همام عبدالرحيم سعيد"الفكر المنهجي عند المحدثين"ص 74 كتاب الأمة ع: 16 سنة محرم 1408هـ.