فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 979

ويبين الأسس التي قد تبنى عليها أحكامها، فيتجادلون معه وكل يدلي برأيه .. وبعد أن يقلب النظر من كل نواحيه يدلي هو بالرأي الذي خلصت إليه المحاورات.

يقول معاصره مسعد بن كرام في وصف درسه: (كانوا يتفرقون في حوائجهم بعد صلاة الغداة ثم يجتمعون إليه فيجلس لهم، فمن سائل ومن مناظر ويرفعون الأصوات لكثرة ما يحتج لهم( ... ) وإن رجلا يسكن الله به هذه الأصوات لعظيم الشأن في الاسلام) [1] وهي طريقة فيها تثقيف للمتعلم، وتمحيص لآراء المعلم، وفيها استثمار لمختلف التقنيات: من حوار مفتوح ومناقشة حرة واعتماد الدعم والتنشيط من طرف المدرس واعتماد التقويم الذاتي وإشعار طالب العلوم الشرعية بأنه معني بالقضية موضوع التعلم حتى كأنها جزء منه، أي ما يسمى في الدراسات الحديثة (بالتماثل الشخصي) واعتماد أسلوب المقارنات بين الآراء المعروضة وهو ما يسمى (بالتماثل المباشر) وتوليد الأفكار عن طريق ما بينها من ترابط. [2]

وذلك بإلقاء المسألة والاجتهاد في فهمها، ثم طرح الحلول الممكنة، واختيار ما يناسب منها. كما هو الحال في طبيعة العلاقة التي سبق الحديث عنها بين الشيوخ وطلبتهم، والتي تجعل المناقشات تمر في جو علمي عال، وتكون المباحثات مثمرة، وذلك بالتحضير المسبق للمسألة واهتمام الطلبة بالإعداد القبلي لها، الأمر الذي يفيده رغبة الجميع في المشاركة بحيث قد يؤدي أحيانا إلى ارتفاع الأصوات بما لا يضر. ووجود عناصر التعاون والصدق والموضوعية وتقبل الآراء بصدر رحب والاستماع والانتباه لما يقوله الآخرون.

والعمل على فهمه واستيعابه والاحتفاظ بالمناخ الملائم والمناسب للمناقشة وتقدمها حيث لاحظنا كيف يسود الهدوء عند تجميع حصيلة هذا العمل الجماعي المثمر. وما يتطلبه من تسيير محكم من طرف الشيخ الذي يستلم زمام الأمور، ويتدخل في الوقت المناسب لضبط المواقف بأسلوب هادىء وحكيم دون فظاظة أوانفعال، وكما قال مسعد بن كدام (إن رجلا يسكن الله به هذه الأصوات لعظيم الشأن في الاسلام) فهو ملم بالمشكلة وله معرفة جيدة بها ويطرح في كل مرة مسألة، يسكت في البداية، ويجتهد في تنظيم المناقشة، ويبدي رأيه بعد الاستماع إلى الآراء بانتباه ودقة.

وأبو حنيفة رحمه الله يوجه تلامذته إلى أهمية ما هم فيه من مناقشة ومباحثة، ويعتبرها سبيل التفقه إذ الفقه عنده وكما هو عند الجميع مرتبة زائدة على طلب الحديث يقول رحمه الله: (مثل من يطلب الحديث ولا يتفقه كمثل الصيدلاني يجمع الأدوية ولا يدري لأي داء هي، حتى يجيء الطبيب .. هكذا طالب الحديث لا يعرف وجه الحديث حتى يجيء الفقيه) [3] الذي يتجه إلى لب الحقائق ويعرف ما وراء النصوص من علل وأحكام ومرامي نصوص الكتاب والسنة، مستعينا في

(1) أبو زهرة"تاريخ المذاهب الاسلامية"ج2/ 140

(2) الكسندرو روشكا"الابداع العام والخاص"ص191 من عالم المعرفة ع: 144 س: دجنبر 1989م.

(3) أبو زهرة"المذاهب الفقهية"ج2/ص139

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت