فهرس الكتاب

الصفحة 342 من 979

ومما يقوي الملكات السابقة أيضا الممارسة الفعلية للإجتهاد والتدرب عليه، ولو في بعض جوانبه واستهداف بعض ملكاته. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدرب الصحابة على الاجتهاد ويشجعهم عليه: من ذلك تعيينه الولاة والقضاة الذين كانوا يعملون بالكتاب والسنة، فإن لم يجدوا اجتهدوا رأيهم: مثل علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي اجتهد مرة وهو باليمن (أتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام فقال كل منهم: هو ابني، فأقرع علي بينهم، فجعل الولد للقارع [أي من ظهر سهمه في عملية المقارعة] وجعل علي للرجلين ثلثي الدية. فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجده من قضاء علي رضي الله عنه) [1] .

ومثل معاذ الذي قال: اجتهد برأيي، فاستصوبه النبي صلى الله عليه وسلم. واجتهد مرة في غير الولاية والقضاء في بعض أمور الصلاة حيث ترك (قضاء الفائت أولا. ثم الدخول في الصلاة ورضي النبي صلى الله عليه وسلم وقال: قد سن لكم معاذ) [2] .

وحكم النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ في بني قريظة فاجتهد سعد وحكم بقتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريهم فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك [3] .

وأمر عبد الله بن عمرو بن العاص بالقضاء بين خصمين وألح عليه رغم استحيائه من التقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن (عبد الله بن عمرو بن العاص: جاء خصمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه السلام: اقض بينهما، فقلت: يا رسول الله كنت أولى به، قال: وإن كان، قلت: ما أقضي؟ قال: على أنك إن أصبت كان لك عشر حسنات وإن أخطأت كان لك حسنة واحدة) [4] .

وقد تضافرت المواقف التي يأمر فيها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالقضاء بحضرته، إشعارا لهم بارتباط العلم بالتطبيق، وانتقالا بهم من الكلام المجرد إلى المجال العملي وتدريبهم على ذلك.

وأما عن باقي الطرق التربوية الأخرى، فلا يمكن أن يقدح زناد ملكة الاجتهاد الا اختيار أحسنها وأفضلها واستنفاذ الوسائل الممكنة لتوصيل العلم وتحقيق المشاركة القوية والفعالة للطلبة في تحصيله ونيل أعلى الدرجات فيه.

لابد لهذه الطرق أن تكون -كما يقول الشوكاني-"جارية على نمط الاجتهاد" [5] فهذا أبو حنيفة رحمه الله يعرض المسألة من المسائل التي تعرض له على تلامذته

(1) إعلام الموقعين ج1/ص203.

(2) البحر المحيط ج8/ص258. روى البيهقي في السنن الكبرى ج2 ص 296 عن عبد الرحمن بن ابي ليلى عن معاذ بن جبل قال:"احيلت الصلوة ثلاثة احوال فذكر حال القبلة وحال الاذان فهذان حالان قال وكانوا ياتون الصلوة وقد سبقهم النبي صلى الله عليه وسلم ببعض الصلوة فيشير إليهم كم صلى بالاصابع واحدة ثنتين فجاء معاذ وقد سبقه النبي صلى الله عليه وسلم ببعض الصلوة فقال لا اجده على حال الاكنت عليها ثم قضيت فدخل في الصلوة فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قام معاذ يقضى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سن لكم معاذ فهكذا فافعلوا"

(3) اعلام الموقعين ج1/ص204.

(4) أورده صاحب"البحر المحيط"ج8/ص260 - 261وقال ضعفه الأكثرون وصححه الحاكم في المستدرك.

(5) صلاح محمد صغير مقبل"الشوكاني وجهود التربوية"ص/112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت