فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 979

الشافعي أوالإمام أحمد والذي جمع في ذلك مسنده .. حيث يعطي كل ذلك ملكة فقهية عميقة. يقول الإمام الغزالي في ذلك: (إنما يحصل منصب الاجتهاد في زماننا بممارسته(أي تفاريع الفقه) فهو طريق تحصيل الدربة في هذا الزمان ولم يكن الطريق في زمان الصحابة ذلك) [1] ولهذا لم يجعله من الشروط الأساسية لأن التفاريع يولدها المجتهدون، ولكنها تفيد الدربة عليه، وفائدة الإطلاع على الفروع الفقهية: لا تخفى أهميتها في تكوين الملكة عن طريق ممارسة الفقه ومطالعة ما ولده المجتهدون من قبل، ومعرفة مداركهم، ومآخذ أقوالهم، وطرائق اجتهادهم، وتنوع مشاربهم ومنازعهم في الاستنباط والاستدلال.

كما أن هذا الإطلاع سيفيد في الوقوف على مواضع الاختلاف وأسبابه وأدلة كل واحد. فالذي يصير بصيرا بمواضع الاختلاف يصبح جديرا بأن يتبين له الحق في كل نازلة تعرض له، ولأجل ذلك جاء في حديث ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال: (يا عبد الله أتدري أي عرى الإسلام أوثق قلت الله ورسوله أعلم قال الولاية في الله والحب في الله والبغض في الله، يا عبد الله أتدري أي الناس أعلم قال: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أعلم الناس أعلمهم بالحق إذا اختلف الناس، وإن كان مقصرا في العلم وإن كان يزحف على إسته زحفا) [2]

وفي الحديث تنبيه على المعرفة بمواقع الخلاف. و (عن قتادة: من لم يعرف الاختلاف لم يشم انفه الفقه( ... ) وكلام الناس هنا كثير، وحاصله معرفة مواقع الخلاف، لا حفظ مجرد الخلاف، ومعرفة ذلك إنما تحصل بما يقدم من النظر فلا بد منه لكل مجتهد) [3] فتنوع البيئة الفقهية، وتعدد الآراء الاجتهادية، مما كون ملكة الاجتهاد عند الأئمة المجتهدين. فاستفاد أبو حنيفة من اختلاف الصحابة فجمع فقه عمر وعلي وعبدالله بن مسعود وابن عباس وغيرهم وكذلك فعل مالك، والشافعي كتب: كتاب خلاف مالك أو الرد على مالك، وخلاف العراقيين أي كتابه: (اختلاف ابن أبي ليلى وأبي حنيفة) وحاول التوفيق بين فقه أهل الرأي وأهل الحديث.

وداوود ابن علي الأصفهاني (ت270هـ) وظف حجج المخالفين له في الرأي لبناء مذهبه الخاص (قيل لداوود كيف تبطل القياس؟ وقد أخذ به الشافعي؟ فقال أخذت أدلة الشافعي في إبطال الاستحسان فوجدتها تبطل القياس) [4] .

وهذا ابن حزم بدأ بدراسة الفقه على مذهب مالك، وقرأ الموطأ، ولا بد أنه قرأ للشافعي: اختلاف مالك، فانتقل إلى المذهب الشافعي وقرأ من غير شك كتاب إبطال الاستحسان، وترك المذهب الشافعي وانتقل إلى المذهب الظاهري [5] .

وعموما فمعرفة المذاهب ودراسة الأحكام مربوطة بأصولها مما يخطو بالعالم في سبيل الاجتهاد خطوات سريعة.

(1) المستصفى ج2/ص353.

(2) سليمان بن داود بن الجارود الفارسي البصري الشهير بابى داود الطيالسي المتوفى سنة 204 هـ (مسند أبي داود الطيالسي) ص 50 - دار الحديث بيروت

(3) الشاطبي الموافقات ج4/ص 116 - 117.

(4) أبو زهرة"تاريخ المذاهب الفقهية"ج2/ص347.

(5) أبو زهرة"تاريخ المذاهب الفقهية"ج2/ص357.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت