وبعت إحدى الشاتين بدينار وجئت بالشاة والدينار. فقلت: يا رسول الله هذه شاتكم وديناركم. فقال: اللهم بارك له في صفقة يمينه. ووجه الاستدلال منه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره في الشاة الثانية لا بالشراء ولا بالبيع فصار ذلك حجة على أبي حنيفة في صحة الشراء للغير وعلى الشافعي في الأمرين جميعا) [1]
-اعتماد منهج الاستقراء:
فيعني استخدام المعرفة التفصيلية من أجل الوصول إلى المبادىء العامة وتتبع المسائل المتماثلة للوقوف على قاعدة كلية تجمعها. ومما ورد في"البداية"حول استقراء الشرع ما ذكره في مسألة ضم القطاني بعضها إلى بعض وفي ضم الحنطة والشعير والسلت حيث قال: (فكل واحد منهما يروم أن يقرر قاعدته باستقراء الشرع، أعني: أن أحدهما يحتج لمذهبه بالأشياء التي اعتبر فيها الشرع الأسماء، والآخر بالأشياء التي اعتبر الشرع فيها المنافع) [2]
وفي استقراء اللغة وكلام العرب ما ذكره في مسألة: ترتيب الأفعال المفروضة مع الأفعال المسنونة حيث قال: (وسبب اختلافهم شيئان، أحدهما: الاشتراك الذي في واو العطف، وذلك أنه قد يعطف بها الأشياء المترتبة بعضها على بعض، وقد يعطف بها غير المرتبة، وذلك ظاهر من استقراء كلام العرب) [3] وكذا في صفة الفقير والمسكين حيث قال: (والأشبه عند استقراء اللغة أن يكونا اسمين دالين على معنى واحد يختلف بالأقل والأكثر في كل واحد منهما) [4]
-اعتماد منهج المقارنات والموازنة:
ويكون في الغالب عند التعارض الظاهري، وتقابل الأدلة الظنية على سبيل التمانع [5] ، والذي يمكن دفعه: إما بالجمع حيث يدفع إيهام الاضطراب والاختلاف عن الأدلة الشرعية ويظهر الائتلاف والتوافق بينهما، سواء بالتنويع أو التخصيص أو التقييد أو التبعيض أو اختلاف الحال ..
أو يدفع التعارض بإثبات النسخ لوجود ما يدل عليه مثل ذكر الراوي التاريخ أو بوجود الإجماع على ذلك، أو يدفع التعارض بالترجيح: بتقديمه أحد الأدلة الظنية المتعارضة لامتيازه على غيره، قصد العمل به بتوظيف بعض المرجحات الكثيرة [6] سواء من قبل الإسناد ككثرة الصحبة، أو من قبل المتن بالرجوع إلى الذي قصد به البيان عن الذي لم يقصد به ذلك، أو بأمر خارجي ككون أحدهما موافق لظاهر القرآن، أو يمكن أن يدفع التعارض بالقول بالتخيير بين الأدلة والأخذ بأيها شاء.
ويمكن الوصول إلى هذه الملكات بالإضافة إلى ما سبق ذكره في شروط الاجتهاد، بالإطلاع والممارسة الميدانية للتفقه والاجتهاد لتحصيلها. وذلك بالإطلاع على أقوال العلماء ومعرفة سيرة المجتهدين وكيف تكونت الملكة الاجتهاد عند الصحابة رضي الله عنهم، والإطلاع على الفروع الفقهية، والعلم والبصر بمواضع الخلاف وحضور مجالس العلماء المجتهدين.
فعن الإطلاع على آراء العلماء وكتبهم بعين ناقدة متفحصة، يقول صاحب"البحر المحيط": (ليس يكفي في حصول الملكة على شيء تعرفه، بل لا بد مع ذلك من الارتياض في مباشرته، فلذلك إنما تصير للفقيه ملكة الاحتجاج واستنباط المسائل أن يرتاض في أقوال العلماء وما أتوا به في كتبهم. وربما أغناه ذلك عن العناء في مسائل كثيرة وانما ينتفع بذلك إذا تمكن من معرفة الصحيح من تلك الأقوال من فاسها. ومما يعينه على ذلك أن تكون له قوة على تحليل ما في الكتب ورده إلى الحجج. فما وافق منها التأليف الصواب فهو صواب. وما خرج عن ذلك فهو فاسد وما أشكل أمره توقف فيه) [7]
فمعرفة شروط الاجتهاد، لا تغني عن معرفة كيف يمارس ذلك عند العلماء، ويشبه ذلك التعليم بالمشاهدة والملاحظة قبل النزول إلى الميدان والذي تأخذ به المناهج الحديثة في المؤسسات والمعاهد التربوية.
ولهذا من المفيد معرفة سيرة المجتهدين وكيف يعملون. قال الامام السيوطي:
(عقد الشيخ أبو اسحاق طبقاته، وظاهر كلامه في خطبته أنه لم يذكر فيها سوى المجتهدين، فإنه قال: هذا كتاب مختصر في ذكر الفقهاء [وأنسابهم] لا يسع الفقيه جهله لحاجته إليه في معرفة من يعتبر قوله في انعقاد الإجماع ويعتد به في الخلاف .. ) [8] ، وأضيف: ومعرفة كيف يجتهدون لتحصيل القدوة بالممارسة، فيتقوى جانب النظر، وهذا ما نجده في الدراسات الإبداعية الحديثة حيث يقومون باستقراء سير العظماء والمبدعين للخروج بقواعد مشتركة ومبادىء نافعة في الميدان.
4 -التجربة الذاتية وتغليب أسلوب الحوار والمناقشة:
كما أنه من المفيد حضور مجالس الاجتهاد. فالصحابة رضي الله عنهم (كانوا يحضرون: ابن عباس وغيره من أصاغر الصحابة، مجلس الاجتهاد( ... ) على طريق التهذيب وتنقيح الخواطر وتعليم طريقة الاجتهاد) [9] .
وقد سبق أن رأينا كيف تمرس الأئمة المجتهدون بفقه من سبقهم من التابعين والصحابة رضي الله عنهم سواء منهم الإمام أبو حنيفة أو الإمام مالك أوالإمام
(1) بداية المجتهد ج: 2 ص: 130
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 194
(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 12
(4) بداية المجتهد ج: 1 ص: 202
(5) الزركشي "البحر المحيط ج8/ 120. وسنتناول مسألة التعارض والترجيح في"البداية"في مبحث التعارض والترجيح"
(6) أوصلها الامام الشوكاني في"إرشاد الفحول"إلى 160 مرجحا.
(7) الامام الزركشي"البحر المحيط"ج8/ 266.
(8) الامام السيوطي"الرد على من أخلد إلى الأرض .. ) ص/187."
(9) الامام السيوطي"الرد على من أخلد إلى الأرض .. ) ص/169."