فهرس الكتاب

الصفحة 338 من 979

بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى) وبعد ذكره لأوجه الخلاف فيما استنبطه العلماء، قال: (ولكل واحد من هؤلاء أعني من القائلين دليل في استنباط الشبه الذي اعتبره في إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به من هذه الأربعة) [1]

وقال في نفس المسألة: (وأما المالكية فإنها زادت على الطعم إما صفة واحدة وهو الادخار على ما في الموطأ، وإما صفتين وهو الادخار والاقتيات على ما اختاره البغداديون. وتمسكت في استنباط هذه العلة بأنه لو كان المقصود: الطعم وحده لاكتفي بالتنبيه على ذلك بالنص على واحد من تلك الأربعة الأصناف المذكورة فلما ذكر منها عددا، علم أنه قصد بكل واحد منها التنبيه على ما في معناه) [2] ثم أعطى مثالا للاستنباط من الفعل عند حديثه عن قصر الصلاة في السفر حيث ذكر استنباط العلماء عدد الأيام التي يعتبر فيها المسافر مقيما.

قال: (وقد احتجت المالكية لمذهبها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للمهاجر مقام ثلاثة أيام بمكة مقاما بعد قضاء نسكه فدل هذا عندهم على أن إقامة ثلاثة أيام ليست تسلب عن المقيم فيها اسم السفر وهي النكتة التي ذهب الجميع إليها وراموا استنباطها من فعله عليه الصلاة والسلام أعني متى يرتفع عنه بقصد الإقامة اسم السفر) [3] .

ثم أشار ابن رشد إلى أن العلماء في الاستنباط يتوزعون بين موسع ومضيق، يفهم ذلك من قوله: (إن الذين قصروا صنف الربا على هذه الأصناف الستة فهم أحد صنفين إما قوم نفوا القياس في الشرع أعني استنباط العلل من الألفاظ وهم الظاهرية وإما قوم نفوا قياس الشبه) [4]

وكما وجه انتقاده في"البداية"للجامدين على ظاهر النص من الظاهرية، الرافضين للاستنباط أحيانا ولو كان في حكم النص أو أولى منه بالحكم، بين في مواضع أخرى تجاوز الموسعين في الاستنباط. ففي نصاب العروض أعطى نموذجا لاستنباط لا يستند إلى قول او فعل او إقرار وسماه بالشرع الزائد لا المستنبط، قال: (وأما مالك فشبه النوع ههنا بالعين لئلا تسقط الزكاة رأسا عن المدير وهذا هو بأن يكون شرعا زائدا أشبه منه بأن يكون شرعا مستنبطا من شرع ثابت ومثل هذا هو الذي يعرفونه بالقياس المرسل وهو الذي لا يستند إلى أصل منصوص عليه في الشرع إلا ما يعقل من المصلحة الشرعية فيه) [5]

وبين في موضع آخر أن هناك أمورا في الشرع لا يصلح فيها الاستنباط، إنما المعول فيها على ما ينص عليه الشارع، مثل قوله في اختلاف العلماء في ميراث ولد الملاعنة (وهذا القول مروي عن ابن عباس وعثمان وهو مشهور في الصدر الأول واشتهاره في الصحابة دليل على صحة هذه الأثار فإن هذا ليس يستنبط بالقياس) [6]

وفي موضع آخر أشار إلى الخلاف الواقع في الاستنباط من الإجماع، وذلك عند اختلافهم في شأن ولاية التزويج في البكر البالغ وفي الثيب الغير البالغ ما لم يكن ظهر منها الفساد حيث قال: (ولاختلافهم في هاتين المسألتين سبب آخر وهو استنباط القياس من موضع الإجماع) [7]

وفي مجال الموازنة بين العلل المنصوص عليها والمستنبطة قال: (العلة المنصوص عليها أولى من المستنبطة) [8] وفي مسألة القبلة وهل المقصود العين أو الجهة، أشار إلى أن الاستنباط كما يكون في الشرع يكون في غيره على أساس التجربة والملاحظة وغيرها، يقول: (ونحن لم نكلف الاجتهاد فيه بطريق الهندسة المبني على الأرصاد المستنبط منها طول البلاد وعرضها) [9]

-اعتماد منهج الاستدلال:

ويعني استخدام المبادىء العامة من أجل الوصول إلى معرفة تفصيلية، فتحصيل المجتهد للكليات يكون انطلاقا من التفقه في الجزئيات. يقول الشاطبي: (كلي المقصود الشرعي إنما انتظم له(أي للمجتهد) من التفقه في الجزئيات والخصوصيات ومعانيها ترقى إلى ما ترقى اليه) [10] . وقد ورد الاستدلال في"البداية"بكثرة ولكن بمعنى إقامة الدليل، ففي مواضع يذكر ما يستدل به من القرآن والسنة مثل قوله: (واستدل من ألحق الزيادة بالثمن بقوله عز وجل .. ) [11] وقوله: (واستدل على ذلك بما روي .. ) [12] وكذلك قوله: (استدلوا بجواز التيمم للجنب والحائض بعموم قوله عليه الصلاة والسلام .. ) [13]

وأورده في الاستدلال بالنسخ مثل قوله: (واستدل على ذلك بأنه زعم أن قوله تعالى: فلا جناح عليهما فيما افتدت به منسوخ) [14] وأورده أيضا في الاستدلال بدليل الخطاب بقوله: (وفي هذا ضرب من الحجة لأبي حنيفة في قوله بوجوب السجود لأنه علل ترك السجود في هذه السجدة بعلة انتفت في غيرها من السجدات فوجب أن يكون حكم التي انتفت عنها العلة بخلاف التي ثبتت لها العلة وهو نوع من الاستدلال وفيه اختلاف لأنه من باب تجويز دليل الخطاب) [15] وقوله أيضا: (وهذا استدلال بدليل الخطاب وقد أجمع عليه في هذا الموضع فقهاء

(1) بداية المجتهد ج: 2 ص: 98

(2) بداية المجتهد ج: 2 ص: 98

(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 123

(4) بداية المجتهد ج: 2 ص: 98

(5) بداية المجتهد ج: 1 ص: 197

(6) بداية المجتهد ج: 2 ص: 267

(7) بداية المجتهد ج: 2 ص: 5

(8) بداية المجتهد ج: 2 ص: 277

(9) بداية المجتهد ج: 1 ص: 80

(10) الموافقات: م2ج4/ 165.

(11) بداية المجتهد ج: 2 ص: 144

(12) بداية المجتهد ج: 1 ص: 45

(13) بداية المجتهد ج: 1 ص: 47

(14) بداية المجتهد ج: 2 ص: 50

(15) بداية المجتهد ج: 1 ص: 163

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت