فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 979

إذا لم يبلغ الأمر ذلك، مثل قوله: لأحد الصحابة بأنه كان يعده أفقه رجل بالمدينة، غير أنه لم يفهم قوله صلى الله عليه وسلم في انحراف الأمة عن القرآن، فبين له أن التوراة موجودة بين اليهود، ومع ذلك انحرفوا .. [1] وكذلك ما كان من شأن (عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود. أهما الخيطان؟ قال: إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين - ثم قال - لا بل هو سواد الليل وبياض النهار) . [2]

ج - أما مستوى استثمار النصوص:

فيتعلق باستثمارها داخليا، أو فيما بينها أو بينها وبين ما لا نص فيه، سواء بالموازنة والمقارنة والترجيح أو استخدام آليات الاستدلال والاستقراء ومنهج الاستنباط. ويكون ذلك بالتفاعل بين العقل المدرك ونصوص الوحي من جهة، وبينه وبين واقع الحياة الانسانية من جهة أخرى. الأمر الذي يفرض استحضار الضوابط النصية كما أسلفنا، مثل: الضابط اللغوي مع الاحتياط من المنهج الباطني الذي يهدر قانون اللسان العربي، أو المنهج الظاهري الذي يلغي المقاصد الشرعية.

والمنهج المتكامل يكمن: في استحضار جميع النصوص الواردة في الموضوع المبحوث، مع مراعاة ضوابطها الظرفية المتعلقة بأسباب النزول أو الورود، ومعرفة أحوال العرب وعاداتهم حال نزول النص أو وروده. واستحضار العوامل العقلية المؤثرة في الفهم، وفقه النص من معارف وعلوم تتعلق بالكون والحياة والانسان، والتي لها دور في تعيين المدلول النصي، وتقدير المقاصد. ثم استحضار دراسة محل الحكم، والكيفية التي يتم بها بسط الحكم على الواقع بمعرفة طبيعة هذا الواقع ليفضي الأمر إلى الاستنباط الفقهي أو تأويل المفاهيم أو ابتكار أفهام لم ترد على أذهان السابقين [3] .

-اعتماد منهج الاستنباط:

يقول ابن القيم: (ومعلوم أن الاستنباط إنما هو استنباط المعاني والعلل ونسبة بعضها إلى بعض. فيعتبر ما يصح منها بصحة مثله، ومشبهه ونظيره ويلغي ما لا يصلح، هذا الذي يعقله الناس من الاستنباط .. قال الجوهري: الاستنباط كالاستخراج، ومعلوم أن ذلك قدر زائد على مجرد فهم اللفظ. فإن ذلك ليس طريقة الاستنباط إذ موضوعات الألفاظ لا تنال بالاستنباط، وإنما تنال به العلل والأشباه والنظائر ومقاصد المتكلم، والله سبحانه ذم من سمع ظاهرا مجردا فأذاعه وأفشاه وحمد من استنبط من أولى العلم حقيقته ومعناه) [4] فالاستنباط مرحلة متقدمة عن الفهم الأولي للنص ولا بد فيه من معارف تمكن من ذلك مثل معرفة العلل والمقاصد. ولهذا أشار الإمام الشافعي رحمه الله إلى أن من عرف كتاب الله نصا واستنباطا استحق الإمامة في الدين، يقول: (فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصا واستدلالا ووفقه الله للقول والعمل بما علم منه فاز بالفضيلة في دينه ودنياه وانتفت عنه الريب ونورت في قلبه الحكمة واستوجب في الدين موضع الإمامة) [5] .

وذكر الإمام الشاطبي أن درجة الاجتهاد إنما تحصل لمن اتصف بوصفين:

(أحدهما فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها) [6] هذا الاستنباط لا يمكن أن يتم الا بواسطة معارف تساعده على الفهم والاستنباط، إذ (لا تظهر ثمرة الفهم الا في الاستنباط) [7] .

وأما عن ما جاء في"البداية"من نصوص مباشرة في ذكر كلمة الاستنباط: ففي المقدمة بعد ذكره للقول والفعل والإقرار، بين أن هذه هي المصادر التي تصلح للاستنباط قال: (فهذه أصناف الطرق التى تتلقى منها الاحكام أو تستنبط) [8] ومن أمثلة الاستنباط من القول ذكره لرأي من منع الرهن في الحضر استنادا لقوله تعالى: ) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) (البقرة: من الآية282) ثم قال: (والقول في استنباط منع الرهن في الحضر من الآية هو من باب دليل الخطاب) [9]

ثم أعطى في موضع آخر مثالا للاستباط من آيتين حيث قال:(آية الأنفال توجب التخميس وآية الحشر توجب القسمة دون التخميس، فوجب أن تكون إحداهما ناسخة للأخرى أو يكون الإمام مخيرا بين التخميس وترك التخميس. وذلك في جميع الأموال المغنومة، وذكر بعض أهل العلم أنه مذهب لبعض الناس وأظنه حكاه عن المذهب، ويجب على مذهب من يريد أن يستنبط من الجمع بينهما ترك قسمة الأرض. وقسمة ما عدا الأرض: أن تكون كل واحدة من الآيتين مخصصة بعض ما في الأخرى أو ناسخة له حتى تكون آية الأنفال خصصت من عموم آية الحشر ما عدا الأرضين.

فأوجبت فيها الخمس وآية الحشر خصصت من آية الأنفال الأرض، فلم توجب فيها خمسا، وهذه الدعوى لا تصح إلا بدليل، مع أن الظاهر من آية الحشر أنها تضمنت القول في نوع من الأموال مخالف الحكم للنوع الذي تضمنته آية الأنفال. وذلك أن قوله تعالى: فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب، هو تنبيه على العلة التي من أجلها لم يوجب حقا للجيش خاصة دون الناس والقسمة بخلاف ذلك إذ كانت تؤخذ بالإيجاف) [10] ومن قول النبي صلى الله عليه وسلم، ما استنبط من حديث الأصناف الربوية عن عبادة قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر

(1) أخرج أصله الحاكم في"المستدرك على الصحيحين"وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ج: 3 ص: 681

(2) أخرجه البخاري: -باب وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر- ج: 4 ص: 1640

(3) فقه التدين ج 1/ 73.

(4) اعلام الموقعين ج1 /ص 325.

(5) الرسالة ج: 1 ص: 19

(6) الموافقات: م2 ج4/ 76 - 77.

(7) الموافقات: م2 ج4/ 76 - 77.

(8) بداية المجتهد ج: 1 ص: 3

(9) بداية المجتهد ج: 2 ص: 207

(10) بداية المجتهد ج: 1 ص: 294

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت