وقد ذكر أبو المصعب في مختصره عن مالك أنه قال لا يؤم الناس أحد قاعدا فإن أمهم قاعدا فسدت صلاتهم وصلاته لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يؤمن بعدي قاعدا) [1] ورغم وجودها في"الاستذكار"فيحتمل إطلاعه عليه، رغم أنه لم يبق من الإحالات سوى أربعة غير واردة في المصدرين السابقين.
ثم أبو الوليد الباجي (ت474 هـ) ذكر صراحة ثلاث مرات وذكر كتابه مرتين وأخذ عنه مرات عديدة من غير إشارة إلى ذلك وقد بينت في هذا المبحث بعض مواطن نقله. وبخصوص كتاب الباجي قال ابن رشد عند حديثه عن مذهب مالك في الربويين اللذين دخلت الصنعة أحدهما ولم تدخل الآخر: (وتفصيل مذهبه في ذلك عسير الانفصال فاللحم المشوي والمطبوخ عنده من جنس واحد والحنطة المقلوة عنده وغير المقلوة جنسان وقد رام أصحابه التفصيل في ذلك والظاهر من مذهبه أن ليس في ذلك قانون من قوله حتى تنحصر فيه أقواله فيها وقد رام حصرها الباجي في المنتقى) [2]
وقوله أيضا: (وحكى القاضي أبو الوليد الباجي في المنتقى عن الحسن البصري أنه لا يقتل الذكر بالأنثى) [3] ثم ذكره ثالثة بغير ذكر لكتابه عند حديثه في بيوع الشروط والثنيا بقوله: (وللمتأخرين من أصحاب مالك في ذلك تفصيلات متقاربة وأحد من له ذلك جدي والمازري والباجي) [4] .
وممن ذكر كتابا له أبو المعالي الجويني (ت478 هـ) ذكره ثلاث مرات، الأولى عند قوله: (كلما كانت السنة الحاجة إليها أمس وهي كثيرة التكرار على المكلفين كان نقلها من طريق الاحاد من غير أن ينتشر قولا أو عملا فيه ضعف وذلك أنه يوجب ذلك أحد أمرين إما أنها منسوخة وإما أن النقل فيه اختلال وقد بين ذلك المتكلمون كأبي المعالي وغيره) [5] والثانية عند قوله: (أما أبو حنيفة فتمسك في ذلك
(1) بداية المجتهد: ج: 1 ص: 111
(2) بداية المجتهد ج: 2 ص: 103 - 104 وذلك عند قوله: (ما كان شيئا واحدا من الطعام -يريد به الجنس الواحد- فإنه لا يجوز التفاضل فيه , وفي هذا بابان أحدهما في تبيين معنى الجنس , والثاني في تبيين معنى المماثلة فأما الأول فإن الجنس تارة يكون جنسا منفردا من الأصل يفارق غيره من الأجناس بنفسه كالتمر والعنب , وتارة يكون جنسا بالصناعة كالخبز والخل الذي لا يفارق أصله( ... ) ووجه اعتبار الوزن أن المعنى المبيح لبيع المقتات بجنسه التماثل فإذا تعذر مقداره انتقل إلى غيره كالتمر بالتمر المكيل) المنتقى ج: 5 ص: 3 - 6
(3) بداية المجتهد ج: 2 ص: 300 ويقابله المنتقى ج: 7 ص: 121 ونصه: (وروي عن الحسن البصري لا يقتل الرجل بالمرأة)
(4) بداية المجتهد: ج: 2 ص: 120 - 121 بقابله المنتقى ج: 4 ص: 211
(5) بداية المجتهد ج: 1 ص: 126 ومما قاله الجويني في ذلك: (قد يتوقف(ويقصد الإمام مالك) في الأحاديث التي نقلها علماء المدينة ثم خالفوها لاعتقاده فيهم أنهم أخبر من غيرهم بمواضع الأخبار وتواريخها) وقال أيضا: (والرأي الحق عندنا في ذلك يوضحه تقسيم فنقول إن تحققنا بلوغ الخبر طائفة من أئمة الصحابة وكان الخبر نصا لا يطرق إليه تأويل ثم ألفيناهم يقضون بخلاف مع ذكره والعلم به فلسنا نرى التعلق بالخبر( ... ) وليس ما ذكرنا تقديما لأقضيتهم على الخبر وإنما هو استمساك بالإجماع على وجوب حمل عملهم على وجه يمكن من الصواب فكأنا تعلقنا بالإجماع في معارضة الحديث وليس في تطريق إمكان النسخ إلى الخبر غض من قدره عليه السلام وحط ( ... )
فأما إذا لم يبلغهم أو غلب على الظن أنه لم يبلغهم فالتعليق بالخبر ( ... ) وإن غلب على الظن أن الخبر بلغهم وتحققنا أن عملهم مخالف له فهذا عندي مقام التوقف والبحث فإن لم نجد في الواقعة متعلقا سوى الخبر والأقضية فالوجه التعلق بالخبر وإن وجدنا مسلكا في الدليل سوى الخبر فالتمسك به أولى) البرهان في أصول الفقه ج: 1 ص: 459 ج: 2ص: 761 - 762 تحقيق عبد العظيم محمود ديب-مطبعة الوفاء-المنصورة -مصر ط 4 - 1418