كالجرجانيِّ وابن يعيش، وبعضهم الآخر ربطه بتحقُّق الإسناد فيهما من غير نظر إلى الفائدة كالزمخشريّ [1] .
ويرى البحث أنَّ الأقرب إلى الصواب ربط مفهومي الجملة والكلام بتحقُّق الفائدة فيهما والإسناد معًا؛ لأنَّ كلَّ تركيب لغويٍّ مفيد لا بدَّ أن يشتمل على عنصرين مهمَّين، هما الفائدة التامَّة المستقلَّة، والإسناد بركنيه: المسند والمسند إليه [2] .
وفرَّق فريق آخر بين المصطلحين في دلالتهما، وعدَّ الجملة أوسع دائرة من الكلام؛ لاشتراط الإفادة في الكلام وعدم اشتراطها في الجملة [3] . ومن هؤلاء ابن مالك (ت672هـ) ؛ إذ يقول في (تسهيل الفوائد) :"والكلام ما تضمَّن من الكلم إسنادًا مفيدًا ومقصودًا لذاته [4] ، ثمَّ يحدِّد في (شرح التسهيل) الغاية من ذكر شرط (المقصود لذاته) ؛ قائلا:"واحترز بأن قيل (مقصود لذاته) من المقصود لغيره، كإسناد الجملة الموصول بها والمضاف إليها، فإنَّه إسناد لم يُقصدْ هو، ولا تضمَّنه لذاته، بل قُصِد لغيره، فليس كلامًا، بل هو جزء كلام، وذلك نحو (قاموا) من قولك: رأيت الذين قاموا، وقمت حين قاموا" [5] ."
فابن مالك يقرِّر في النصِّ السابق أنَّ الإسناد في الكلام لا يكون إلا مقصودًا لذاته، في حين إنَّ الإسناد في الجملة يمكن أن يكون مقصودًا لغيره، كالإسناد الذي تضمَّنته جملة صلة الموصول، والجملةِ المضاف إليها.
ومن النحاة الذين فرَّقوا بين المصطلحين في دلالتهما رضيُّ الدين محمَّدُ بنُ الحسن الإستراباذيّ (ت686هـ) ، وهو معاصر لابن مالك. يقول الرضيّ:"الفرق بين الجملة والكلام أنَّ الجملة ما تضمَّن الإسناد الأصليَّ، سواء كانت مقصودة لذاتها أو لا، كالجملة التي هي خبر المبتدأ، أو سائر ما ذكر من الجمل؛ والكلام ما تضمَّن الإسناد الأصليَّ، وهو مقصود لذاته، فكلُّ كلام جملةٌ، ولا ينعكس" [6] ؛ أي: لا تكون كلُّ جملة كلامًا. وعلى هذا تكون الجملة أعمَّ من الكلام؛ لأنَّها وإن تضمَّنت الإسناد الأصليَّ فقد يكون إسنادها مقصودًا لذاته، أو غير مقصود، فالعلاقة إذًا بين مفهوميهما - عند هؤلاء - العموم والخصوص [7] .
ثمَّ جاء ابن هشام الأنصاريُّ (ت761هـ) ، فكان أكثر القدماء عناية بالتفريق بين مفهومي الكلام والجملة؛ إذ يقول في كتابه (مغني اللبيب) معرِّفًا الكلام:"الكلام هو القول المفيد بالقصد، والمراد بالمفيد: ما دلَّ على معنى يحسن السكوت"
(1) - ينظر: نظام الجملة عند ابن هشام: 27.
(2) - ينظر: شرح ابن يَعِيش: 1/ 72.
(3) - ينظر: المدخل إلى دراسة النحو العربيّ: علي أبو المكارم، دار الوفاء، القاهرة، ط1، 1400هـ/1980م، 2/ 20.
(4) - تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد: ابن مالك (جمال الدين، أبو عبد الله، محمَّد بن عبد الله: ت672هـ) ، تحقيق: محمَّد كامل بركات، دار الكتاب العربيّ، القاهرة، 1967م، ص3.
(5) - شرح تسهيل الفوائد: ابن مالك (ت672هـ) ، تحقيق: محمَّد عبد القادر عطا وطارق فتحي السيِّد، دار الكتب العلميَّة، بيروت، ط1، 1422هـ/2001م، 1/ 6.
(6) - شرح كافية ابن الحاجب: الرضيّ الإستراباذيّ (رضيُّ الدين، محمَّد بن الحسن: ت686هـ) ، تحقيق: أميل بديع يعقوب، دار الكتب العلميَّة، بيروت، ط1، 1419هـ/1998م، 1/ 31 - 32.
(7) - ينظر: نظام الجملة عند ابن هشام: 28.