فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 61

(ج) يقول أبو العالية: كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا [1] .

(د) ويقول بعضهم: وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة لا المترفعة ولا الدون، ويتخيرون أجودها للجمعة، والعيد، وللقاء الإخوان، ولم يكن تخير الأجود عندهم قبيحًا، وأما اللباس الذي يذري بصاحبه فإنه يتضمن إظهار الزهد وإظهار الفقر، وكأنه لسان شكوى من الله تعالى، ويوجب احتقار اللابس وكل ذلك منهي عنه [2] .

(هـ) قال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد، إنا قد أرضى الله علينا ووسع الله علينا فنتناول من كسوة وطيب ما لو شئنا اكتفينا بدونه فما تقول؟ قال: أيها الرجل، إن الله تعالى قد أدب أهل الإيمان فأحسن أدبهم فقال: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا) [3] وإن الله ما عذب قومًا أعطاهم الدنيا فشكروه، ولا عذر قومًا ذوى عنهم الدنيا فعصوه [4] .

اعتراض: وقد يعترض على ذلك بأن تجديد اللباس هوى النفس وقد أمرنا بمجاهدتها، وتزين للخلق وقد أمرنا أن يكون أفعالنا لله لا للخلق.

الجواب: ويجاب عن الاعتراض: بأنه ليس كل ما تهواه النفس يذم ولا كل ما يتزين به للناس يكره.

وإنما كان ينهي عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه، أو لبس على وجه الرياء في الدين، فإن الإنسان يحب أن يرى جميلًا وذلك حظ النفس لا يلام فيه [5] .

وفى هذا المعنى يقول القرطبي: وقد اشترى تمتم الداري حلة بألف درهم كان يصلي فيها، وكان مالك بن دينار يلبس الثياب العدنية الجياد، وكان ثوب أحمد بن حنبل يشتري الثوب بنحو دينار - وهو غالي الثمن في أيامهم- أين هذا ممن يرغب عنه ويؤثر لباس الخشن من الكتان والصوف من الثياب، ويقول: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) هيهات؟ أنرى من ذكرنا تركوا لباس التقوى، لا والله بل هم أهل التقوى وأولو المعرفة [6] .

ونخرج من هذا أن غير ما نهى الله عنه من الثياب التي يتزين بها ويتجمل بلباسها غير حرام، إلا أن من ترك المباح منها تواضعًا لله وزهدًا في الدنيا، واستسهل الخشونة في مطعمه وملبسه رضا بالدون من ذلك، فليس ذلك دليلًا على تحريم ما زهدوا فيه؛ لأن الحرام لا يطلق إلا على ما حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم [7] .

(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج7، ص196.

(2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج7، ص197.

(3) سورة الطلاق: الآية 7.

(4) الاستذكار لابن عبد البر: ج8، ص323.

(5) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج7، ص197.

(6) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج7، ص196.

(7) الاستذكار لابن عبد البر: ج8، ص323.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت