وهو في هذا معدود في مصاف الأدباء المنتحين , ومذهبه هذا يذكر بكلام ابن الأثير:"واستعمال هذه اللفظة غير سائغ ولا لذيذ، وإن كان جائزًا ,ونحن في استعمال ما نستعمله من الألفاظ واقفون مع الحسن لا مع الجواز.وهذا كله يرجع إلى حاكم الذوق السليم، فإن صاحب هذه الصناعة يصرف الألفاظ بضروب التصريف، فما عذب في فمه منها استعمله، وما لفظه فمه تركه .... ورأيت صاحب كتاب الفصيح قد ذكرها فيما اختاره من الألفاظ الفصيحة، ويا ليت شعري ما الذي رآه من فصاحتها حتى اختارها؟" [1] .
هذا السابق يجعل الحكم على أبي العلاء بأنه نحوي أمر يحتاج إلى مراجعة , أما إنه عالم بالنحو, فهذا مما لا ينبغي أن يُمارى فيه , وأما إنه نحوي يحكم بمذهب النحويين وأدلتهم في كل أحواله فلا , وقد سبق كيف أنه انتقد أشهر المذاهب النحوية التي عاصرها , انتقد سيبويه وكتابه وهما أساس المذهب البصري , و انتقد السيرافي وشرحه , وأعْظِمْ بهما عند نحاة المذهب , كما انتقد المذهب الكوفي ممثلًا في شيخه أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب , وانتقد المذهب البغدادي وشدد على صاحبه أبي على الفارسي , ويكاد يكون لم يمدح أحدًا من النحويين سوى ابن خالويه.
يقول بعض المعاصرين:"وأما أبو العلاء المعري فتتمثل دعوته إلى الإصلاح في ثورته العارمة على مبدأ التأويل والتقدير , ولم يكن هناك ما يغيظه أكثر مما كان يقرؤه ويسمعه من تأويلات النحاة و تكلفاتهم , و تخريجهم بعض الأبيات على غير حقيقتها للاستشهاد بها على آرائهم الخاصة , وكثير من نقده ينصب على هذا الجانب من نحو النحاة , و قد سدد المعري معظم سهامه إلى نحاة البصرة الذين أكثروا من التأويل والتقدير , و تعسفوا غاية التعسف في تخريج كثير من الشواهد لتستقيم مع أصول مذهبهم" [2] .
(1) ... المثل الثائر1/280 بتصرف يسير .
(2) ... البحث اللغوي عند العرب ـ د/ أحمد مختار عمر صـ 113 .