وهو يحكم بالحسن و القبح بدافع من طابعه الشعري , لا تبعًا لأقوال النحاة فقط , ومن هذا أن النحاة أجازوا تذكير الفعل مع الفاعل المؤنث إذا كان التأنيث مجازيًا , وأبو العلاء لا يرفض هذا لكنه يحكم عليه بالرداءة , يقول تعليقًا على بيت البحتري:
ِقصَّةُ التَلِّ فَاِفهمَوُها عُجابَهُ إِنَّ في مِثلِها تَطولُ الخِطابَه [1]
"يضمر في الأمر أو الشأن , حتى يمكن أن يليها الفعل , وقد يجوز أن تجعل ( الخطابة ) مرتفعة بكان , فيكون التقدير: ( كان الخطابة تطول في مثلها , إلا أن الذي ينفر من ذلك أن(الخطابة ) فيها علم التأنيث , فإن أخليت من ذلك ( يطول ) صار التقدير: ( كان الخطابةُ تطول ) فيكون المؤنث قد ذكر , وذلك جائز فيما لا حقيقة فيه كالمصادر وما جرى مجراها , مثل: ( الضلالة ) ,و (الكآبة ) , إلا أنه مع جوازه رديء" [2] .
إن ما يشغل بال أبي العلاء الشاعر من مسائل النحويين أن لا يكون فيما يذهبون إليه من من أوجه جائزة أو ممتنعة ما يجافي الطبع السليم , ولذلك فإنه إذا رجح فيما يختلفون فيه يرجح على هذا الضابط الذي ارتضاه: الطبع والذوق, أو الخفة والثقل .
فهو مثلًا يذهب إلى أن إقرار الياء في ( صفين ) , وإعراب النون أحسن من أن تكون
مرفوعة بواو , لكي لا تكون الكسرة قريبة من الضمة , كما في قول البحتري:
تَغَنَّموا السِلمَ إِنَّ الحَربَ توعِدُكُم يَومًا يَعودُ بِهِ صِفّونَ وَالجَمَلُ [3]
يقوا أبو العلاء:"وكان الأحسن في هذا البيت أن يقول: ( صفين ) فيقر الياء , و يعرب النون , و يخلص من أن يكون أول الاسم مكسورًا , ثم تجيء الضمة وليس بينها وبين الكسر إلا الفاء الساكنة , و هي الأولى من الفائين اللتين وقع بهما التشديد" [4] .
(1) ... البيت من بحر الخفيف, وهو في الديوان2/185 .
(2) ... عبث الوليد صـ 52, 53.
(3) ... البيت من بحر البسيط , وهو في الديوان 2/ 352.
(4) ... عبث الوليد صـ 189, 190.