قد يتبادر إلى الذهن من بعد ما سبق أن أبا العلاء ليس نحويًا ولا يحب صناعة النحو , ولكن الذين ترجموا له أشادوا بمكانته النحوية , فذكر صاحب معجم الأدباء أنه:"كان عالمًا باللغة حاذقًا بالنحو" [1] وفي مسالك الأبصار أنه"توسع في اللغة والنحو" [2] .
والحقيقة أن أبا العلاء نحوي لا كالنحاة , إنه أديب فيلسوف درس النحو وخبره من بعد ما حفظ اللغة ووعاها , فكان أصدق لهجة في الحكم على كلام العرب , وكره بعض تأويلات النحويين فاحتكم إلى ما يوجبه الطبع السليم , وإن لم يذكره أحد من النحويين , ومن هذا ما ذكره في شرح بيت البحتري:
ثَلاثَةٌ جِلَّةٌ إِن شُوِّروا نَصَحوا أَوِ اِستُعينوا كَفَوا أَو سُلِّطوا عَدَلوا [3]
"والنطق بـ ( شُوِّروا) وبابه ينفر منه الطبع , والغريزة تفر إلى همز الواو الثانية, وما علمت أن ذلك حكاه أحد" [4] .
ومنه أنه أجاز إجراء الزعم مجرى الظن في نصب المفعولين , اعتمادًا على تقاربهما في المعنى [5] , والذي ذكره النحويون إجراء القول مجرى الظن , فأجراه مجراه في العمل .وفي هذا يقول أبو العلاء في شرح بيت البحتري:
وَقَد زَعَموا مِصرٌ مَعانٌ مِنَ الغِنى فَكَيفَ أَسَفَّت بي إِلى عَدَمٍ مِصرُ [6]
"الأجود نصب ( مصر) , و ( معان ) ؛ لأنهما مفعولان, وكذلك يقولون: زعمتك ظاعنًا , و المعنى: ( زعمت أنك ) فلما حذفت ( أن ) وصل الفعل فعمل , وعلى ذلك قول أبي ذؤيب:"
(1) ... معجم الأدباء 1/397 .
(2) ... تعريف القدماء صـ 222.
(3) ... البيت من بحر البسيط , وهو في ديوان البحتري 1/181.
(4) ... عبث الوليد صـ114.
(5) ... في المحيط في اللغة , مادة ( زعم) :"زعم يزَعَمَ زَعْمًا وزُعْمًا، وُيسْتَعْمَل فيما يُرْتاب به."
والزعْمُ - أيضًا: مِثْلُ الظَن، تقول: زَعَمْتَني وزَعَمْتَ أني، ووُقُوْعُه على"أنَ"أكْثَرُ وأجْوَد"."
(6) ... البيت من بحر الطويل , في ديوان البحتري 1/176 .