الصفحة 34 من 774

فحكيت له أني رأيت جارًا لي بعد أن لم ألق أحدًا من أهل بلدي سنين فقال لي: قم فكلمّه، فقلت: حتى أتمم السبق، فقال لي: قم أنا أنتظر لك، فقمت وكلمته بلسان الأذربية شيئًا كثيرًا إلى أن سألت عن كل ما أردت، فلما رجعت وقعدت بين يديه قال لي: أي لسان هذا؟ قلت: هذا لسان أذربيجان، فقال لي: ما عرفت اللسان ولا فهمته غير أني حفظت ما قلتما، ثم أعاد علي اللفظ بعينه من غير أن ينقص منه أو يزيد عليه جميع ما قلت وقال جاري، فتعجبت غاية التعجب كيف حفظ ما لم يفهمه. قلت: وهذا معجز فإنه بلغنا عن جماعة من الحفاظ وما يحكى عن البديع الهمذاني والأنباري وغير هؤلاء، وهو أمر قريب من الإمكان ؛لأن حفظ ما يفهمه الإنسان ويعرف تراكيبه أو مفرداته سهل، وأما إنه يحفظ ما لم يسمعه ولا يعلم له مفردًا ولا مركبًا وهو أقل ما يكون أربعمائة سطر من سؤال غائب عن أهل بلده سنين وجوابه [1] .

وجاء في التعريف أن هبة الله بن موسى [2] سمع من أخبار أبي العلاء وما أوتيه من البسطة في اللسان ما جعله هو وأخاه يرحلان إليه في المعرة , و دار بينهما حديث بالفارسية , ثم انصرفوا إلى مذاكرة أبي العلاء , قال:"فتجاذبنا الحديث إلى أن ذكرت ما وُصِف به من سرعة الحفظ, و سألته أن يريني من ذلك ما أحكيه عنه , فقال: خذ كتابًا من هذه الخزانة القريبة منك , فاذكر أوله , فإني أورده عيك حفظًا , فقلت: كتابك ليس بغريب إن حفظته , قال: قد دار بينك وبين أخيك كلام بالفارسية إن شئت أعدته عليك , قال: أعده . فأعاده, وما أخل والله منه بحرف , ولم يكن يعرف اللغة الفارسية" [3] .

(1) ... انظر: الأنساب 1/224 .

(2) ... هو: هبة الله بن موسى بن الحسن بن محمد أبو الحسن المزني الموصلي يعرف بابن قتيل ، حدث عن أبي يعلى الموصلي ، روى عن أبو جعفر السمناني وغيره . انظر ترجمته في: إكمال الكمال - ابن ماكولا 7 / 128 .

(3) ... التعريف صـ 225 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت