لما أعرض عن الحق، وصَدَفَ عن البرهانِ، عوقب بالنقصِ والحرمان، وباءَ بالخيبة والخسرانِ: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} أصابه الدمار الشامل، وأصله من إحاطة العدو، لأنه إذا أحاط به فقد ملَكه واستولى عليه، ثم استُعمِلَ في كل إهلاك، ومنه قوله تعالى {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} [يوسف: 66] .
{فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا} ندما وحسرة على ما سلف منه، ووقعَ له، وحزنا على ما أنفق فيها.
{وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} بعدما أصابها من هلاك ودمار، وخراب وبوار.
{وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} أدرك أن ما أصابه بجريرةِ شركِهِ وشؤم معصيته.
إنها ساعة المحاسبة ولحظة المراجعة، ساعة الحسرة والندم على ما فات، أين ماله الذي ساقه إلى الفخر والتيه؟ أين أهله وعشيرته وخدمه وحشمه؟ هل وجد فيهم ما كان يرتجي من العزة والمنعة؟
{وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) } ما كان له من ينصره ويعصمه من أمر الله وما كان منتصرا بنفسه، إذ لا حول له ولا قوة.
ولكن: ما هو مصير هذا الرجل؟ هل كان ندمه بدايةَ توبةٍ صادقة؟ أم كان مجرد حسرة وندم على ضياع دنياه؟ وإذا كان الرجل قد تاب توبة ناصحةً فهل عوَّضه الله في الدنيا عما سلبه منه؟
يقول السعديُّ رحمه الله:"ولا يستبعد من رحمة الله ولطفه، أن صاحب هذه الجنة التي أحيط بها، تحسنت حاله، ورزقه الله الإنابة إليه، وراجع رشده، وذهب تمرده وطغيانه، بدليل أنه أظهر الندم على شركه بربه، وأن الله أذهب عنه ما يطغيه، وعاقبه في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد خيرا عجَّل له العقوبةَ في الدنيا، وفضل الله لا تحيط به الأوهام والعقول، ولا ينكره إلا ظالم جهول" [1] .
سننٌ ثابتةٌ في كونٍ متغيِّر!
{هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44) }
إذا كانت الدنيا متقلبةً لا يدوم لها حالٌ، وإذا كان الكونُ خاضعا للتغيير، والأيام تدولُ، فإن هناك سننا ربانيةً ثابتةً، لا تحُولُ، منها: ولاية الله لأوليائه ينصرهم ويجبرهم، وأن عاقبة
(1) - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي ص 477