فكان قصدُ المؤمنِ من حواره: تصحيح المفاهيم، وضبط الموازين، وتأصيل القيم، وذلك ببيان أن العبرة ليست بكثرة المال والولد، فتلك أعراضٌ فانيةٌ، وعاريةٌ مستردَّةٌ.
"وهكذا تنتفض عزةُ الإيمان في النفس المؤمنة، فلا تبالي المال والنَّفر، ولا تداري الغنى والبطر، ولا تتلعثم في الحق، ولا تجامل فيه الأصحاب، وهكذا يستشعر المؤمن أنه عزيز أمام الجاه والمال، وأن ما عند الله خير من أعراض الحياة، وأن فضل الله عظيم وهو يطمع في فضل الله" [1] .
{وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} :"هلا قلت: ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله، حضَّه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله، إن شاء أبقاها وإن شاء أفناها، وعلى الإقرار بالعجز، وأن ما تيسر له من عمارتها إنما هو بمعونة الله لا بقوّته وقدرته" [2] .
ثم التفت إليه ليصحو من غفلته وينتبه من غفوته قبل فوات الأوان وتبدلِ الحال: فقال:
{إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) } .
{إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) } فهذا ميزان خاطئٌ وفهمٌ قاصرٌ ونظرةٌ مادية مجرّدة، إذ لا يقاس الناس بما لديهم من أموالٍ وبنين.
{فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ} إما في الدنيا، وإما في الآخرة، وفي هذا ما يدل على الرضا بما قسم الله، واليقين بفضل الله، والاستبشار برحمة الله.
{وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ} يرسل عليها من الصواعق والمهلكات، بقدر ما يخَربها ويدمِّرُها، عقابا لك على كفرك وبَطَرِك، {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} أي فتصبح جنتُك بعد أن كانت خصبةً طيبةً زاخرةً أرضًا قاحلةً جرداء، لا نبتَ فيها، قد خيَّم عليها الخرابُ وأحلَّ بها البوارُ: {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا} أي يغوصُ ويذهبُ في أعماقِ الأرض: {فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا} : لا تقدر على ردِّه إلى موضعه.
{وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44) }
(1) - في ظلال القرآن 15/ 101
(2) - فتح القدير للشوكاني 3/ 410