الصفحة 53 من 109

في دنياه فقد رضي عنه وأرضاه! بل إنه تعالى قد يزوي الدنيا عن أوليائه وأصفيائه، ويوسعها على أعدائه؛ إذ لا نصيب لهم في الآخرة.

قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) } الإسراء: 18 - 19

وقال جلَّ وعلا {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) } الشورى: 20

{وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} كيف يحسنُ الظن بالله وقد أساء العمل، فتوهم أنه ما أوتي هذه النعم إلا عن جدارةٍ واستحقاقٍ، وأنه لو رجع إلى ربه لوجد المزيد من الحفاوة والإغداق!

نصيحة وإعذار.

{قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) } .

قال له صاحبه ناصحا ومذكِّرا، في حوارٍ هادفٍ بنَّاء، يقصد من خلاله أن ينتشله من أعماق الفتن ويردَّه إلى الحقِّ: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} ؟

إن هذا البطر والاغترار والجحود والإنكار كفرٌ بواحٌ بمن خلقك من تراب، فردَّه إلى أصله وطبيعته ليعالجه من داء الكبر، بتذكيره بمادة الخلق التي يتساوى فيها مع سائر البشر، فمن التراب وإلى التراب، كما قيل

خلقتَ من الترابِ فصرتَ حيًّا ... وعُلِّمتَ الفصيحَ منَ الخطاب

وعدتَ إلى التراب فصرتَ فيه ... كأنك ما خرجتَ من التراب

فكيف يتكبر من أصله التراب، ومنشأهُ النطفةُ! وكيف يغفل عن الحكمة مِنْ خَلْقِهِ وهي عبادة الواحد القهار، وكيف ينصرف عن التفكر والاعتبار، وقد سوَّاه الله رجلا مكتمل الخِلقة وافر العقل!

{لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} : بعد إنكار ما هو عليه من كفر وضلال بيَّن له صاحبُه العقيدة الصحيحة والنهج القويم، وهو الإقرار لله تعالى بالربوبية والشهادة له بالوحدانية، والتأدب معه تعالى والثناء على نعمه الجليلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت