{وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا} : يجري بالخير الوفير ويجود بالسَّلسلِ النَّمير، فيسقي الزرع ويروي الظمآن، وتكتمل البهجة ويتم الأنس بمائه الرقراق، وجداوله التي تسري بين بساتين العنب وصفوف النخيل وسطور الحقول.
قال صاحب الكشاف:"جعلناها أرضًا جامعة للأقوات والفواكه، ووصف العمارة بأنها متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها ويفصل بينها، مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق، ونعتهما بوفاء الثمار وتمام الأكل من غير نقص، ثم بما هو أصل الخير ومادته من أمر الشرب، فجعله أفضل ما يسقى به وهو السيح بالنهر الجاري فيها" [1] .
تكاثرٌ وافتخارٌ!
وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) أي كان له تجارة يصرفها وينميها، وأموالٌ يستغلُّها ويُرْبِيها، ودوابٌّ يعلفُها ويُرَبِّيها، فضلا عن الجنتين، مما زاده فخرا وتِيهًا، حتى قال لصاحبه المؤمن {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} تباهى بكثرة أمواله، واغترَّ بأهله وعشيرته.
ظنونٌ واغترارٌ!
{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) } أراد بدخوله أن يترفَّع على صاحبه المؤمن ويتعالى عليه بما عنده من خيرات وثروات، {قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا} : حمله على هذا القول الذي لا يُلقي له بالا: ما هو عليه من عُجبٍ وغرورٍ وتبطُّرٍ وجحودٍ، فقال ذلك في زهوٍ وخُيلاء {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} .
أنكر البعث والحساب؛ ركونا إلى الدنيا واطمئنانا بها، وحتى لا يحاسب على تلك النعم، ويعاقب على كفرانه وطغيانه، وجوره وقصوره، وغروره وخيلائه، {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} : أي ليعطيني خيرا من هاتين الجنتين، وهذا لا يخلو من أمرين: إما أن يكون عالما بحقيقة الحال، فيكون كلامه هذا على وجه التهكم والاستهزاء، وإما أن يكون هذا ظنُّه في الحقيقة، فيكون من أجهل الناس، فأيُّ تلازم بين عطاء الدنيا وعطاء الآخرة، حتى يظن بجهله وحماقته: أن من أعطي في الدنيا يعطى في الآخرة، ومن أغناه الله
(1) - الكشاف للزمخشري 2/ 389، والسَّيْحُ: الماءُ الظاهر الجاري على وجه الأَرض.