الصفحة 50 من 109

يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44) [الكهف: 32 - 44]

المناسبة

* أمر الله رسوله الكريم أن يضرب لهم هذا المثال للعظة والاعتبار، والتذكرة والاستبصار، وتصحيح المفاهيم، وأن العبرة بالخواتيم، وأن تقلب الكافر في النعم إمهالٌ واستدراج، ومكابدة المؤمن في الدنيا ابتلاء وتمحيص.

* فهذا مثلٌ ضربه الله سبحانه لمن يتعزّز بالدنيا، ويستنكف عن مجالسة الفقراء، فهو على هذا متصل بقوله {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) } الكهف: 28

قال الرازي في تفسيره:"اعلم أن المقصود من هذا أن الكفار افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين فبيّن الله تعالى أن ذلك مما لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الفقير غنيًا والغني فقيرًا، أما الذي يجبُ حصول المفاخرة به فطاعة الله وعبادته وهي حاصلة لفقراء المؤمنين وبين ذلك بضرب هذا المثل المذكور في الآية" [1] .

ويقول صاحب الظلال:"ثم تجيء قصة الرجلين والجنتين تضرب مثلًا للقيم الزائلة والقيم الباقية، وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة، والنفس المعتزة بالله. وكلاهما نموذجٌ إنسانيٌ لطائفة من الناس: صاحب الجنتين نموذجٌ للرجل الثري، تذهله الثروة، وتبطره النعمة، فينسى القوة الكبرى التي تسيطر على أقدار الناس والحياة، ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى، فلن تخذله القوة ولا الجاه، وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه، الذاكر لربه، يرى النعمة دليلًا على المنعم. موجبة لحمده وذكره، لا لجحود وكفره. [2] ."

ولهذه القصة وجهُ اتصالٍ مع قوله تعالى في مقدمة السورة {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) } الكهف: 7 - 8 فهذان رجلان أحدهما: غرَّته زينةُ الحياة الدنيا، فوقع في حبائلها وغرق في خضم فتنتها، والثاني: زهدَ في الدنيا فعصمه الله من غرورها وفتنتها.

(1) - التفسير الكبير للرازي 21/ 124

(2) - في ظلال القرآن 15/ 93

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت