وعن الحكمة من تقديم الفرار على الرعب: أقول: قد يعترضُ الإنسان ما يخيفه فيفرُّ منه وينتهي الأمر، وقد يفر مما يرهبه ويبقى الرعب ساكنا قلبه، لذا أتبع التولي فرارا بالامتلاء رعبا.
وليس السبب في هذا الرعب والتولي هو ما زعمه بعض المفسرين أن شعورهم وأظفارهم طالت؛ إذ لو كان الأمر كذلك لكان أول تساؤل لهم بعد أن استيقظوا من نومهم كما سيأتي بيانه في الآية التالية، ولكن هيئتهم وسباتهم العميق وما أضفاه هذا الكهف من رهبةٍ مع هول المفاجأة: كلُّ ذلك يُفضِي إلى الفرار والرعب.
من الكهف إلى المدينة
{وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20) }
يقظة وحيرة .... وحذر وحيطة
كان أول تساؤل لهم حين قاموا من نومهم فقال بعضهم {كَمْ لَبِثْتُمْ} فأجاب آخرون {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} وغاب عنهم أنهم ناموا مئات السنين، فرد عليهم آخرون {قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا} أي أشهى وأطيب، وقيل هو الحلال الطيب، {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} أي فوضوا أمر ذلك إلى الله تعالى وانشغلوا بما يصلحكم وهو إحضار الطعام.
أقول: وفي هذا دليل على أنهم لم ينووا طول البقاء في الكهف وإلا لتزودوا بما يكفيهم من الطعام والشراب مدة لبثهم فيه، وإشارة إلى ضرورة اختيار الطعام الطيب.
{فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا}
أي يبالغ في الحذر والحيطة، والتخفي أو يتلطف في الشراء، فلا يتعنت مع البائع أو يبخسه حقه أو يتلطف مع البائع، يتفطن له حتى لا يغبنه، قال النسفي:"وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة، حتى لا يغبن أو في أمر التخفي حتى لا يعرف" [1] .
(1) - مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي 3/ 8