{إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20) }
لو عرفوا مكانكم وتمكنوا منكم فلن تسلَموا منهم، وفي هذا ما يدل على أنهم كانوا مهددين مطاردين، بعد أن أمهلهم الملك بالعودة إلى دينه، ففروا بدينهم وقد أرخى الليل سدوله حتى وصلوا إلى الكهف.
(يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ) بناء على ما توعدكم به إن لم ترجعوا إلى دينهم فإما الرجم حتى الموت وإما البقاء مع العود إلى ملتهم وفي هذا من الخسران ما فيه.
(وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) إذا عدتم إلى ملتهم، قال البقاعي رحمه الله:"أي إذا عدتم فيها مطمئنين بها؛ لأنكم وإن أكرهتم ربما استدرجكم الشيطان بذلك إلى الإجابة حقيقة" [1] .
وقال الرازي رحمه الله:"فإن قيل أليس أنهم لو أكرهوا على الكفر لم يكن عليهم مضرة فكيف قالوا (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) قلنا يحتمل أن يكون المراد أنهم لو ردوا هؤلاء المسلمين إلى الكفر على سبيل الإكراه بقوا مظهرين لهذا الكفر مدة فإنه يميل قلبهم إلى ذلك الكفر ويصيرون كافرين في الحقيقة، فهذا الاحتمال قائم فكان خوفهم منه والله أعلم". [2]
في المدينة بعد ثلاثة قرون
مئات السنين مرت على هذه المدينة حيث توالت العهود وتعاقبت الملوك وولت دولة الاستبداد والطغيان، وانحلت مملكة الشرك والأوثان، وحلت دولة العلم والإيمان، وتنسمت الأجيال عبير الحرية.
غريب في مدينته
خرج من وقع عليه الاختيار من الكهف إلى المدينة، فراعه ما وجده من وجوه جديدة ومعالم مختلفة حتى التبس الأمر عليه ولسان حاله يقول
أما الديارُ فإنها كديارِهِم ... وأرى رجالَ الحيِّ غيرَ رجالِهِمْ
عجبا! أليست هذه مدينته التي عاش في أحضانها، وسلك دروبها وعاش فيها طفولته وأحلامه، وشهدت فتوته وشبابه، كاد أن تتشعب به دروب الحيرة ويستبد به الهمُّ، لكن الوقتَ والمقامَ لم يسعفه كي يتحقق من الأمر؛ حتى لا يلفت الأنظار إليه فبادر إلى السوق، وهنا حدث ما لم يكن في حسبانه حيث كانت الدراهم التي ألقاها في يد البائع وراء انكشاف
(1) - ... نظم الدرر للبقاعي 4/ 458
(2) - ... التفسير الكبير للرازي 21/ 102، 103