الصفحة 27 من 109

{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} : أي ليس هناك أظلم ممن افترى على الله عز وجل وأشرك به سبحانه وهو الذي خلقه ورزقه.

طريق العصمة والنجاة

{وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (16) }

بعد تقريرهم لعقيدة التوحيد وإبطالهم لعقيدة الشرك وبراءتهم من الكفر وأهله: بيَّنوا واجبهم الذي يتحتم عليهم فعله وهو اعتزال قومهم وما يعبدونه من دون الله والبراء من شركهم، فما في قوله تعالى (وَمَا يَعْبُدُونَ) موصولة أو مصدرية، والمعنى: اعتزلتم عبادتهم أو اعتزلتم معبوداتهم من دون الله.

{فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ} : أي امكثوا فيه مدة، واجعلوه مأوى لكم إلى أن يقضي الله أمرا، واللام في (الْكَهْفِ) تدلُّ على العهد الذهني أي الكهف الذي يتبادر إلى أذهانهم لذا قالوا (إِلَى الْكَهْفِ) ولم يقولوا: إلى كهف.

والذي يبدو لي: أن هذا الكهف كان معروفا لهم، إما لشهرته وإما لأنهم مرّوا به في تريضهم وسياحتهم، والله أعلم.

{يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ} : أي يبسطُ لكم ويفيضُ عليكم من رحمته التي تستنزلونها وتستمطرونها بطاعتكم لربكم وخروجكم في سبيله وتضحيتكم؛ ابتغاء مرضاته.

{وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا} : أي ما فيه من منافع لكم فترتفقون به، قال ابنُ عباسٍ:"يسهِّل عليكم ما تخافون من الملك وظلمه ويأتكم باليسر وبالرفق واللطف [1] ."

وفي هذا دليل على حسن ظنهم بربهم، وجميل توكلهم عليه.

في كنف الرحمن

{وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17) } .

انطلق الفتية نحو الكهف، واتخذوه مأوى إلى أن يقضي الله أمرا، وقد كان فتنزلت الرحمات ولاحت الكرامات وهبت نسائم النفحات حين اتخذوا مضاجعهم في هذا الكهف الموحش وخلدوا في نوم عميق فهيأ الله لهم أسباب البقاء ووسائل السلامة ليجتازوا بنومهم حواجز السنين، حيث تتهالكُ الممالك، وتتساقطُ الأنظمةُ، وتتبدل أجيال، بينما هم في سبات رهيب لم ينهضوا منه إلا بعد مئات السنين.

(1) - الوسيط في تفسير القرآن المجيد للواحدي النيسابوري 3/ 138

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت