الصفحة 20 من 109

بالأردن، مغارة الكهف التي اتخذها أصحاب الكهف مرقدًا لهم حين دخلوها هاربين بأنفسهم.

وأغرب بعضهم في بيان مكان الكهف وزمانه حتى قالوا بأن الكهف المشار إليه كان في بلاد الأندلس، قال أبو حيان في البحر المحيط:"وبالأندلس في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب، وأكثرهم قد تجرد لحمه وبعضهم متماسك، وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم أثارة، ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف، دخلت إليهم ورأيتهم سنة أربع وخمسمائة وهم بهذه الحالة، وعليهم مسجد، وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم، كأنه قصر مخلق قد بقي بعض جدرانه، وهو في فلاة من الأرض خربة، وبأعلى غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة رومية يقال لها مدينة دقيانوس، وجدنا في آثارها غرائب من قبور ونحوها، ... قال والدي فسح الله في مدته وحين كنا بالأندلس كان الناس يزورونه ... وأما ما ذكر من مدينة دقيانوس التي بقبلي غرناطة فقد مررت عليها مرارا لا تحصى وشاهدت فيها حجارة كبارا ويترجح كون أهل الكهف بالأندلس لكثرة دين النصارى بها حتى إنها هي بلاد مملكتهم العظمى [1] ، ولأن الإخبار بما هو في أقصى مكان عن أرض الحجاز أبعد أن لا يعرفه أحد إلا بوحي من الله" [2] .

أقول: ما استشهد به الإمام أبو حيان رحمه الله لا يعتدُّ به فزعم النصارى ليس بحجة فقد يوهمون الناس بأن هذه المغارة أو تلك هي الكهف حتى يتردد الناس عليها ويزورونها فينتفعُ بزيارتهم أصحاب المكان ويضفى عليه قداسة تجعل له قيمة ومنزلة تعود بالدراهم والدنانير على من روّج لهذا الإدعاء، كما هو حاصلٌ ومشاهد في كثير من البلاد، وأما استشهاده بكثرة النصارى في تلك البلاد فليس هذا دليلا على أن هذا الكهف هو المذكور في القرآن فللنصارى تواجد في بلاد أخرى عديدة، وأما استناده إلى بُعْدِ كهف الأندلس عن الجزيرة: فلقد غاب عنه البعد الزماني للقصة فلا عبرة ببعد هذا الكهف عن مهبط الوحي لأن العبرة بالبعد الزماني الذي جعل هذه القصةَ مطويةً منسيةً حتى عند كثير من النصارى فضلا عن اليهود.

(1) - يعني ما كان في زمانه.

(2) - البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 6/ 99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت