الصفحة 19 من 109

مطلع القصة وبراعة الاستهلال

-بدأ السياق بهذا الأسلوب الشيق أسلوبِ الاستفهام التعجبي {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9) } فنحن أمام قصة عجيبة، وإن كان هناك ما هو أعجب منها، فخلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار وآيات الأنفس والآفاق وعالم النبات وعالم البحار فضلا عن عالم الغيب وما فيه من حكم وأسرار ودقائق وأخبار وغير ذلك من عجائب صنع الواحد القهار، كلها آيات عجيبة تستوجب التأمل فيها والاعتبار بها.

وكم يغفل كثير من الناس عن النعم الظاهرة والآيات الباهرة لكونها مألوفةً لهم، بل وقد يغفلون عن شكر النعم الظاهرة، كنعمة السماء والأرض والشمس والقمر والليل والنهار!

قال الرازي رحمه الله:"اعلم أن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنها الرسول - صلى الله عليه وسلم - على سبيل الامتحان فقال تعالى: أم حسبت أنهم كانوا عجبا من آياتنا فقط، فلا تحسبنَّ ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإنه من كان قادرا على خلق السموات والأرض وتزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان ثم بعد ذلك يجعلها صعيدا جرزا خالية عن الكل كيف يستبعدون من قدرته وحفظه ورحمته حفظ طائفة مدة ثلاثمائة سنة وأكثر في النوم، هذا هو الوجه في تقرير النظم والله أعلم" [1] .

والكَهْفُ: كالمَغارةِ في الجَبَلِ إلاّ أَنَّه واسعٌ، أما الرقيم فهو العلامة أو الكتابة أو الرسم على الشيء، قيل: هو اللوح الذي سجلت عليه أسماؤهم، وقيل كتاب دونت فيه أسماؤهم، وقيل اسم الجبل وقيل اسم القرية.

قال سعيد بن جبير ومجاهد: الرقيم لوح من حجارة وقيل من الرصاص كتب فيه أسماؤهم وقصتهم ثُمَّ وضع عَلَى باب الكهف. [2]

والذي أرجحه: أنه اسم اللوح الذي سجلت فيه أسماؤهم، وسمي بذلك لأن أسماءهم كانت مرقومةً عليه، أي مكتوبة فهو بمثابة لوحة شرفٍ لهم تخليدا لذكرهم.

مكان الكهف وزمان أصحابه

أما عن مكانه فقيل بالشام وقيل ببلاد الروم وجاء في مجلة العربي الكويتية [3] "إن عالم الآثار الأردني (رفيق وفا الدجاني) اكتشف عام 1963م عند منطقة الرحيب"

(1) - التفسير الكبير للرازي 21/ 81، 82 بتصرف

(2) - رجح هذا القول الرازي في تفسيره 21/ 82

(3) - مجلة العربي الكويتية عدد 367 حزيران 1989م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت